واعلم رعاك الله أن الهدى هدان، هدى دلالة وهدى توفيق، فأما هدى الدلالة فهو التبليغ والإخبار والنصح الإرشاد والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول الله تعالى {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3]، ويقول تعالى {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، ويقول سبحانه {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7]، وهذا النوع كلف به الرسل والعلماء والدعاة إلى الله، وأما هدى التوفيق فهو صرف القلب إلى الحق اعتقادا وصرف الجوارح إليه عملا وهو المقصود بقوله تعالى {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 272]، وقوله تعالى {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56]، وهذا النوع إنما يكون من الله منة وفضلا للمخلصين الصادقين طالب الحق، والتوفيق توفيقان، توفيق علم وتوفيق عمل، فأما توفيق العلم فهو أن يوفق اللهُ العبدَ ليعلم الحق ويعتقده فيؤمن بأن هذا حلال وهذا حرام وذاك حرام ويؤمن بما افترضه الله عليه بل يؤمن بالله وحده ولا يشرك به أحداً وهو المقتضي للإسلام عامه، وأما توفيق العمل فهو توفيق الله العبدَ للعمل بما علمه وآمن به من ترك للحرام وتأدية للفرائض مما يقتضيه توحيد الله تعالى من ترك الشرك وبما يقتضيه الإيمان بصفاته وأسمائه، وهو متضمن لنوع الهدى الأول –هدى الدلالة- فيوفقه الله للدلالة والإرشاد إلى دينه والنصح والتبليغ وخدمة الحق.
وهدى التوفيق متضمن لهدى الدلالة لا العكس إذ أن من توفيق الله للعبد أن يسخر له من يدله إلى الحق ويهديه إلى طريقه، فإن شرح الله صدره فقد نجى وإن كانت الأخرى فقد قامت عليه الحجة، وقد تكفل الله سبحانه وتعالى بهدى الدلالة فأرسل الرسل وأنزل الكتب يقول عز من قائل {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24]، وقال سبحانه {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، ويقول سبحانه {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا} [القصص: 59]، فإنما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لدلالة الناس إلى الحق، فأما الكتب فيقول تعالى {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، وأما الرسل فيقول سبحانه وتعالى {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]، فنسأل الله أن يهدينا بفضله وإياك هداية دلالة وتوفيق ومداومة وأن يستعملنا في خدمة دينه.