الجسيمات الأولية وعلم الكون (الكوزمولوجيا):

يعتبر علم الكون أو الكوزمولوجيا (Cosmology) من العلوم الحديثة، فقد نشأ
في النصف الأول من القرن العشرين وعلى وجه التحديد عام 1919 حين وضع ألبرت
آينشتين أول معادلات رياضية تصف الكون الذي نعيش فيه اعتمادا على مبادئ
النظرية النسبية العامة التي وضعها آينشتين نفسه قبل ذلك بعامين. وقد أعطت
تلك المعادلات صورة للكون كنظام متمدد دائم الاتساع. ولما كان الاعتقاد
السائد آنذاك أن الكون ثابت الحجم (أي استاتيكي) فقد ادخل اينشتين ثابتا
كونياً في المعادلات جعلها تتفق مع استاتيكية الكون. وفي عام 1922 أوضح
الفيزيائي الروسي فريدمان بما لا يدع مجالا للشك أن الكون ليس استاتيكيا
(أي ثابت الحجم) بل هو في الواقع في حالة تمدد و اتساع دائمين، وقد وافق
آينشتين آنذاك على الحسابات التي أجراها فريدمان وقال أنها تبدو صحيحة.
واتجه العلماء بعد ذلك إلى التجارب العملية وبناء التلسكوبات الضخمة لرؤية
الظواهر الكونية وإثبات النظريات الكوزمولوجية المختلفة، وفي عام 1929
اكتشف العالم الأمريكي هابل أثناء دراساته على المجموعات النجمية الضخمة
المسماة بالمجرات أن تلك المجرات في حالة تباعد أو ابتعاد مستمر عن بعضها
البعض مما يعني أن الكون في حالة تمدد حجمي أو اتساع مستمر وهو ما يؤكد
حسابات فريدمان بدون أدنى شك. و اعتبر هذا الاكتشاف من أهم الاكتشافات
العلمية في النصف الأول من القرن العشرين، واعتبر البداية الحقيقية لعلم
بناء الكون (أو الكوزمولوجيا).


وبدأ العلماء يبحثون بعد ذلك عن سؤالين مهمين هما:


(1) إلى متى يستمر الكون في التمدد أو الاتساع؟.


(2) كيف نشأ الكون أو كيف بدأ الخلق؟.


و للإجابة على السؤال الأول استطاع العلماء إثبات أن قوة الجاذبية سوف تعمل
في يوم من الأيام على إيقاف تمدد الكون ليبدأ بعد ذلك في الانكماش وتبدأ
المجرات و الأجرام السماوية في الاقتراب من بعضها حتى يعود الكون إلى
النقطة التي بدأ منها حين كان كله كتلة واحدة، وأن ذلك -إذا حدث- فسوف
يحتاج على الأقل إلى نحو خمسين أو ستين بليونا من السنين، وقبل أن تنقضي
هذه المدة ستكون أضواء الشمس قد انطفأت و الحياة على الأرض قد انتهت منذ
بلايين السنين، وذلك بالطبع إذا لم يقدر الله تعالى أن تنتهي الحياة على
الأرض قبل ذلك.


و للإجابة على السؤال الثاني و الخاص بنشأة الكون: فقد تنبأت حلول فريدمان
للكون المتمدد أنه منذ نحو خمسة عشر بليونا من السنين كانت المسافات بين
المجرات صغيرة للغاية أو مساوية للصفر، حيث كانت كتلة مادة الكون متجمعة
(أو متركزة) في نقطة واحدة هي نقطة بداية الكون، وكثافة الكون في هذه
النقطة كانت بالطبع كبيرة كبرا لا نهائيا، وقدرت كمية الطاقة المتجمعة في
هذه النقطة بحوالي 1080 إرج، (10 وأمامها 80 صفر) ودرجة حرارتها حوالي 1023
درجة مئوية، وهي كميات يصعب على العقل البشري أن يتصورها فهي كميات
لانهائية بمقاييسنا الأرضية.


وكان صاحب هذه الفكرة (أو النظرية) هو العالم الأمريكي ذو الأصل الروسي
جورج جامو وهو أحد تلاميذ فريدمان، وقد أطلق عليها نظرية الانفجار الأعظم
أو الفرقعة المروعة (Big Bang) . وتفترض هذه النظرية أن الكون بدأ (أو نشأ)
من نقطة البداية السابق ذكرها بانفجار أو فرقعة هائلة أحدثت وهجا كبيراً
أو إشعاعاً سمي بإشعاع الأساس أو الإشعاع الخلفي (Back ground Radiation) ،
وقد تنبأ جامو بقيمة هذا الإشعاع أو الوهج نظريا وذلك عام 1935. وبعد
ثلاثين عاما (وفي عام 1965) استطاع الباحثان الأمريكيان أرنوبنزياس وروبرت
ويلسون بمعامل نيوجرسي اكتشاف وهج أو إشعاع الأساس الناتج عن الفرقعة
المروعة التي حدثت عند نشأة الكون، وهو إشعاع يأتي من خارج المجرة التي
نعيش عليها،و استغرق وصوله إلينا عمر الكون كله أي في حوالي خمسة عشر
بليوناً من السنين، وقد تمكن العالمان المذكوران من قياس شدة هذا الإشعاع،
وجاءت قياساتهما قريبة من القيمة التي تنبأ بها جورج جامو نظريا قبل ثلاثين
عاماً، وقد حصل العالمان المذكوران على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1978
على هذا الكشف المهم.


و السؤال الآن ما هي علاقة الجسيمات الأولية بهذا الموضوع؟.


و الإجابة على ذلك تتضح فيما يلي حيث نلخص الخطوات التي مرت بها بداية
الكون (أو نشأته) منذ لحظة البداية (الانفجار المروع) طبقا لآخر ما توصل
إليه علماء الفيزياء الفلكية و الكوزمولوجيا:


1- الثواني الأولى بعد نشأة الكون (الجسيمات المادية و الإشعاع معاً بدون
انفصال):


من المعروف أن درجة حرارة الجسم هي مقياس لطاقته أو لسرعة تحرك جسيماته،
ولذلك فإن انخفاض درجة حرارته له تأثير كبير على مادة الكون ففي درجات
الحرارة العالية جدا تتحرك الجسيمات بسرعة هائلة تمكنها من الهروب من أي
قوى جاذبة، وعندما يبرد الكون تبرد معه الجسيمات وتبدأ في التجمع و
الالتصاق ببعضها لتكون الذرات فالجزيئات، وفي درجات الحرارة العالية جداً
تمتلك الجسيمات طاقات عالية لدرجة أن اصطدامها يولد جسيمات جديدة وجسيمات
مضادة ((antiparticles مما يؤدي إلى زيادة عدد الجسيمات الموجودة أصلا. وقد
تم تقدير درجة حرارة الكون في اللحظات التي أعقبت الانفجار الأعظم (أو
الفرقعة المروعة) وقبل انقضاء الثانية الأولى، بحوالي عشرة بلايين (1010)
درجة مئوية، وكذلك أمكن تقدير نوع الجسيمات التي تواجدت في هذه المرحلة
وتضم أساساً النيوترونات (n) و البروتونات (p) مع خلفية ضخمة مكونة من
إلكترونات (-e) وبوزترونات (+e) ونيوتروينات (جمع نيوترينو) من سائر
الأنواع (νe, νe ,νμ ,νμ ,νT ,νT ) وفوتونات (γ). وكانت p, n تظهر بأعداد
متساوية تقريباً. غير أن كلا منهما كان يتحول إلى الآخر باستمرار بواسطة
التفاعلات النووية الضعيفة تبعا للمعادلتين:




ولأن كتلة النيوترون أكبر بقليل من كتلة البروتون فإن معدل إنتاجها كان أقل
من وجهة نظر الطاقة فحدثت زيادة كبيرة في البروتونات. وعند انقضاء الثانية
الأولى بعد الانفجار الأعظم زاد عدد البروتونات عن النيوترونات بنسبة خمسة
إلى واحد.


وفي الثواني الأولى من عمر الكون بدأ الكون في الاتساع وبدأت درجة حرارته
في الانخفاض السريع فقل معدل تكوين الإلكترونات وازداد عدد البروتونات و
النيوترونات ومضاداتهما زيادة كبيرة.


2- الدقائق الأولى بعد نشأة الكون (تكون نويات الذرات الخفيفة):


قدر الباحثون أن درجة حرارة الكون بعد أول مئة ثانية من عمره قد انخفضت إلى
بليون درجة وهي درجة حرارة أسخن النجوم، وعندما تقل طاقة حركة البروتونات و
النيوترونات إلى درجة تسمح للقوة الشديدة التي تربط مكونات نواة الذرة بأن
تعمل على تكوين النوى فتبدأ نواة الهدروجين الثقيل (الديوتريوم) في التكون
من بروتون ونيوترون، ثم تتحد بدورها بنيوترونات وبروتونات أكثر لتكوين
نويات هيليوم وهكذا، أما النيوترونات الباقية فنظرا لنشاطها الإشعاعي فإنها
تنحل إلى بروتونات جديدة هي في الواقع نويات ذرة الهدروجين. وهكذا نرى أن
مكونات الكون الأساسية في هذه المرحلة هي نويات الهدروجين و الهيليوم وبعض
العناصر الخفيفة الأخرى مثل الليثيوم، وبحر من الإشعاع تسبح فيه تلك النوى.


ولما كانت النيوترونات ذات عمر يساوي 15 دقيقة تقريبا فإنه بعد ثلاث دقائق
أو نحوها من نشأة الكون كان ثلث النيوترونات تقريبا قد تفكك إلى بروتونات، و
بقي نيوترون واحد مقابل كل ثمانية بروتونات أي أن نسبة البروتونات إلى
النيوترونات أصبحت ثمانية إلى واحد.


وبعد الانفجار الأعظم بثلاث دقائق انخفضت درجة الحرارة إلى نحو عشرة ملايين
(107) درجة مئوية وعندها تكونت نويات الديوتريوم (n, p) والهيليوم
2n,2p)). و لما كان الهيليوم يحتاج في تكونه إلى عددين متساويين من n, p
فان تكونه يتوقف عندما تنفذ كل النيوترونات الموجودة، وقد حدث هذا بعد أن
تم للكون من عمره بضع ساعات تقريباً. ويمكن القول بأن نحو 25% من كتلة
الكون انتهى بها الأمر في هذه المرحلة إلى هيليوم وبقي 75% بروتونات (نويات
هدروجين) و هو ما اتفق إلى حد كبير مع القياسات الفلكية.


3- المئة ألف و الثلاثمئة ألف سنة الأولى من عمر الكون (انفصال المادة عن
الإشعاع وتكون ذرات العناصر):


بعد توقف إنتاج نويات الهيليوم و العناصر الأخرى استمر تمدد الكون و استمر
الانخفاض في درجة حرارته و ازداد الكون اتساعاً، وعند مرور مئة ألف سنة
بدأت المادة تنفصل عن الإشعاع وهو أهم أحداث بداية الكون حيث أصبح الكون
بمادته منفصلة عن الإشعاع الذي أصبح في إمكانه النفاذ خلال الكون بدون
إعاقة من جانب المادة، وهذا الإشعاع في الأصل عبارة عن فوتونات تشكل ما
يسمى بالإشعاع الخلفي. وبعد ثلاثمئة ألف سنة من عمر الكون أصبحت نسبة
الإشعاع تساوي تقريبا نسبة المادة في الكون، وبدأت القوى الكهرومغناطيسية
تلعب دورها وذلك بجذب الإلكترونات سالبة الشحنة في مدارات حول النويات
الموجبة الشحنة لتكوين ذرات العناصر، وهكذا بدأت الذرات الأولى لعناصر
الكون في التكون و التجمع في تلك الفتوة من عمر الكون.


4- الخمسمئة مليون سنة الأولى من عمر الكون (تكون المجرات):


عندما أكمل الكون الخمسمئة مليون سنة الأولى من عمره بدأ ظهور المجرات ثم
مجموعات المجرات وهي تلك التجمعات الضخمة التي تعتبر الوحدات الأساسية في
الكون.


و اختلف العلماء كثيراً في شرح وتفسير كيفية تكون تلك المجرات. و المجال
هنا لا يتسع لعرض تلك التفسيرات.


و منذ بداية السبعينيات و حتى الان حدث تزاوج كبير بين علم الكون
(الكوزمولوجيا) وعلم فيزياء الجسيمات الأولية، وذلك في رابطة تآزرية تولد
منها عدد من النتائج المثيرة أعطتنا صورة عن خلق الكون (بما فيه من مادة و
إشعاع) في أزمنته السحيقة بعد حدوث الانفجار الأعظم، بل تم الحصول على أدلة
مهمة عن طبيعة الانفجار الأعظم نفسه، وكيف أن سائر القوى المعروفة في
الطبيعة (الشديدة و الضعيفة و الكهرومغناطيسية و الجاذبية) كانت إبان
الانفجار الأعظم تؤلف قوة واحدة وذلك عند الطاقة التي سادت الكون في هذه
اللحظة، و التي بلغت حوالي 1019 بليون إلكترون فولت (و تسمى عادة بطاقة
بلانك) وتقابلها درجة حرارة حوالي 1023 درجة مئوية. وتجري الآن محاولات
لإيجاد نظرية يتم فيها توحيد المجالات الأربعة المعروفة في نظرية واحدة (أو
توحيد القوى الأربع في قوة وحيدة) ويطلق علdها اسم نظرية كل شيء (Theory
of every thing) وتعرف اختصارا باسم .T. O. E


إن التقاء علم الكون مع فيزياء الجسيمات الأولية قد أعطانا في الآونة
الأخيرة نتائج مهمة شهدت صحة نبوءات علم الكون بحيث يمكن القول بأن هذا
العلم قد قطع مسافات طويلة نحو الكمال بفضل هذا الالتقاء.