الأشعة الكونية



الأشعة الكونية cosmic rays أو الإشعاعات الكونية هي جسيمات نووية ترد إلى
الأرض من الفضاء الخارجي بطاقة هائلة تمكِّنها من اختراق ثخانات كبيرة من
المادة. وتسمى أوليةً عند دخولها جو الأرض، وثانويةً بعد أن تقوم بالتفاعل
معه.

جاء اكتشاف الأشعة الكونية في مطلع القرن العشرين إثر دراسة سبب انفراغ
كشَّاف كهربائي electroscope مشحون، فقد وجد أن انفراج وريقتي الذهب في
الكشاف لا يلبث أن يزول دليلاً على ضياع شحنته الكهربائية، مع اتخاذ كل
الاحتياطات المعروفة آنذاك لمنع ذلك. وبدا منطقياً أن تعزى هذه الظاهرة إلى
وجود نوع من الإشعاع يؤيِّن الغاز الذي يملأ الكشاف الكهربائي، ذلك لأن
الإشعاع الصادر عن المواد المشعة أو الأشعة السينية كان يولد الأثر ذاته في
وريقتي الذهب. وعندما أشارت التجارب إلى أن معدَّل انفراغ الكشاف
الكهربائي المشحون يزداد بالارتفاع عن سطح البحر تأكد أن منشأ الإشعاع
المجهول ليس أرضياً بل كوني مما دعا العلماء عام 1926 إلى تسمية هذا
الإشعاع بالإشعاع الكوني، كما تأكد تجريبياً أن بالإمكان تخفيف معدَّل
انفراغ الكشاف الكهربائي المشحون إذا وضع الكشاف في نفق تحت الأرض أو في
أعماق البحر، وقد أمكن التفريق بين صنفين من الأشعة الكونية التي تبلغ سطح
الأرض، صنف أطلق عليه اسم المركًّبة اللينة soft component وهو صنف يكفي
لامتصاصه عشرة سنتمترات من الرصاص، وصنف أطلق عليه اسم المركًّبة القاسية
hard component وهو قادر على اختراق ثخانات من الرصاص تزيد على المتر.

الأشعة الكونية الأولية

تشير التحريات العلمية إلى أن (90%) من الأشعة الكونية التي تصل إلى الأرض
تنشأ من مجرتنا، كما أن خصائصها تدل على أنها نشأت عن انفجار نووي حراري
في بعض النجوم. وتتكون هذه الجسيمات حين تصل إلى أعالي الغلاف الجوي الأرضي
من بروتونات (91.5%) وجسيمات ألفا (α) أي نوى الهليوم (7.8%). ومن نوى
ثقيلة كالليثيوم والحديد وغير ذلك (0.7%). وتم التحقق من ذلك بإرسال مناطيد
تحمل ألواح تصوير خاصة عليها مستحلبات نووية nuclear emulsions فسجلت
تفاعلات نووية مع جسيمات أولية قادمة من الفضاء الخارجي. ولوحظ من دراسة
تغير شدة الأشعة الكونية عند سطح البحر مع تغير خط العرض أن هذه الشدة
تنخفض بنسبة 10% عند خط الاستواء بالموازنة بينها وبين شدتها عند القطبين.
وأمكن تعليل ذلك عن طريق الأفعال المتبادلة بين الجسيمات الأولية المشحونة
والحقل المغنطيسي الأرضي. فالجسيم المشحون الذي يرد أحد قطبي الأرض لا
يعاني أي انحراف، في حين يعاني الجسيم المشحون الوارد باتجاه خط الاستواء
انحرافاً عمودياً على كل من منحى حركته ومنحى الحقل المغنطيسي الأرضي مما
يقلل من فرصة بلوغه الغلاف الجوي الخارجي وبالتالي من فرصة تفاعله مع ذرات
الهواء وتوليد أشعة كونية ثانوية نتيجة ذلك. ودلت القياسات على أن 5% من
سيل الأشعة الكونية الأولية يمكن كشفه على ارتفاع عشرة كيلومترات وأن 35%
منها يمكن كشفه على ارتفاع عشرين كيلو متراً، وأن طاقة جسيم واحد من هذه
الجسيمات الأولية قد تبلغ 1810 إلكترون فولط أي عُشر الجول تقريباً.

الأشعة الكونية الثانوية

لا يبلغ سطح الأرض من الإشعاعات الكونية الأولية إلا ما ندر، فمعظمها يصطدم
بذرات الغلاف الجوي مولداً إشعاعات كونية ثانوية. ويمكن القول إن جسيماً
ثانوياً واحداً يرتطم على سطح الأرض بمساحة كمساحة ورقة الكتابة في كل
ثانية وسطياً.


الأشعة الكونية الثانوية

وتتألف الإشعاعات الكونية الثانوية من مزيج من جسيمات يدعى بعضها
«الهِبرونات» hyperons وبعضها الآخر «الميزونات» mesons إضافة إلى
الإلكترونات والبوزترونات وأشعة غاما والأشعة السينية. ويمكن أن يولد إشعاع
كوني أولي سيلاً من الإشعاعات الكونية الثانوية يشبه إلى حد بعيد المظهر
المتشعب الذي تولده ظاهرة البرق المألوفة. والميزون جسيم أثقل من الإلكترون
وأخف من البروتون، ومن أنواعه الميزون مو μ وتقارب كتلته 200 مرة كتلة
الإلكترون، والميزون بي π وتقارب كتلته 270 مرة كتلة الإلكترون. وقد تنبأ
العالم الياباني يوكاوا Yukawa عام 1935 بوجود هذا الجسيم الأخير عقب
اكتشاف الجسيم مو μ. وفي الواقع فإن الميزون π المتولد في أعالي الجو نتيجة
تفاعل إشعاع كوني أولي مع الغلاف الجوي لا يلبث أن يتفكك مولداً الميزون μ
وجسيماً معتدلاً يدعى النترينو ν.

وقد تكللت مساعي الإنسان في تسريع البروتونات والجسيمات الأخرى بما يسمى
المسرِّعات حتى بلغت أخيراً طاقة تقارب طاقة الجسيمات الكونية الأولية،
وأمكن بذلك توليد تفاعلات مماثلة للتفاعلات التي تحدث في الطبيعة وفي شروط
دقيقة تسهل دراستها.

العواصف المغنطيسية الشمسية والأشعة الكونية

يتضح مما سبق أن الأشعة الكونية الأولية تنحرف في الحقل المغنطيسي الأرضي
وليس من المستغرب أن تحدث تغيرات في منحى هذه الأشعة وشدتها لدى حدوث عاصفة
مغنطيسية أو ريح شمسية مصدرها الشمس. وتولّد بداية العاصفة المغنطيسية
بوجه عام انخفاضاً في تدفق الأشعة الكونية وهو ما يعرف باسم أثر فوربُش
Forbush effect كما تولد اضطراباً متفاوت الشدة في تماثل الاتجاهات التي
ترد منها الإشعاعات. ويشاهد أحياناً ازدياد في شدة الإشعاعات الكونية قبيل
العاصفة المغنطيسية، وينبغي أن لا تلتبس هذه الزيادة مع إشعاعات أخرى ذات
تدفق ملحوظ مشابهة للأشعة الكونية إلا أنها أخفض طاقة منها بكثير
[ر.المغنطيسية الأرضية]. وتستطيع هذه الإشعاعات بلوغ سطح الأرض عند
القطبين، ويشير وجودها إلى أن النجوم شأنها شأن الشمس ينبغي أن تكون مصدراً
جزئياً يسهم في الإشعاعات الكونية التي تصل إلى كوكبنا.

الأثر الفيزيولوجي للأشعة الكونية

إن الطاقة الهائلة (1810 إلكترون فولط) التي يحملها جسيم ما من جسيمات
الأشعة الكونية تمكِّنه بسهولة من اختراق جسم الإنسان من طرف إلى آخر.
فالإنسان يتعرض كل لحظة، أينما كان إلى عدد من هذه الجسيمات، بيد أن التدفق
الطاقي الإجمالي يبقى ضعيفاً، وبالتالي فلا خطورة منها، في حين أن بعض
الإشعاعات الشمسية يمكن أن تؤلف خطراً شديداً على رواد الفضاء بسبب تدفقها
العالي. أما على سطح الأرض فيمكن القول إن الغلاف الجوي الأرضي يحمي الناس
من خطر تدفق الإشعاعات ذات الطاقة العالية.