اربد

منتدى معلومات عامة
 
صفحة الاعلاناتالرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر

pubacademy.ace.st--!>
pubacademy.ace.st--!>

شاطر | 
 

 كتاب عن امريكا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
kingsam




مُساهمةموضوع: كتاب عن امريكا   6/8/2011, 17:37

كتاب عن امريكا
كتاب عن امريكا
كتاب عن امريكا



أعكف، منذ أربع سنوات، على كتابة مذكراتي حول بلوغي سن الرشد، والتي كان الغرض الأساسي منها أن أستكشف، من خلال عدد من نقاط الرصد المميزة، الطرق التي سلكتها عبر معادلة الحب والعمل الفرويدية للوصول إلى إحساس بمهنتي ككاتب. بيد أن الأمر تحول، بأكثر مما كان يمكنني تخيله، إلى عرض لصراعي مع إحساسي بالتراث .. إلى استكشاف الكيفية التي أطلقت فيها جذوري اللاتفية الكثيفة نبتاً بهذه الدرجة من الحميمية الأميركية. ولئن شعرت، عندما انتهيت مؤخراً بأني قد أمسكت أخيراً بناصية القضايا الأساسية التي تتشكل منها الهوية، فقد اكتشفت أيضاً، عندما أطلعت والديّ وأشقائي على النتيجة، بأنه وأياً كانت قدرتي على إيضاح المسألة على الورق – فإني، وضمن محيط العائلة - وهو المجال الحيوي لقوة الأصول – إنما أكدت فقط على ردتي المقلقة. إن السؤال حول كيف أن كوني أميركياً قد شكل حياتي ككاتب لا يزال حاضراً كما كان دائماً.

خلفية موجزة: ولدت في العام 1951 في مدينة بونتياك بولاية مشيغان لأبوين من لاتفيا، كانا قد هاجرا مؤخراً من مناطق تجمع اللاجئين في ألمانيا حيث وجدا نفسيهما في نهاية الحرب. كان كلاهما ينتسب إلى أسرة ذات نزعات فنية، فقد كان جدي لوالدتي رساماً للمناظر الطبيعية تلقى تعليمه في أكاديمية موسكو، في حين كان جدي لوالدي مثقفين أدبيين – كانت جدتي معلمة متخصصة في الفولكلور واللغات فيما كان جدي مؤلفاً لعدة كتب في العلوم الاجتماعية والنفسية والدراسات الفولكلورية.

رغم أن الثقافة اللاتفية – واللغة اللاتفية بشكل خاص – كانت مقدسة في بيتنا، إلا أن والديّ نفسيهما لم يكونا مولعين بالتراث، خلافاً للعديد من مواطنيهما الأميركيين من أصل لاتفي. كانا يريان نفسيهما راكبين لموجة الحداثة والتحرر وملتزمين بقوة بالمعاصرة. كان والدي، الذي كان مهندساً معمارياً شاباً شديد الطموح، يعمل في مؤسسة إيرو سآرينين الأسطورية في بلومفيلد هيلز، جنباً إلى جنب مع مصممين مثل كيفين روش، روبرت فينتوري، سيزار بيلي وتشارلز إيمز. هنا كانت الحداثة المطلقة، اللغة الدولية للشكل، رغم أن ذلك كان، في حالة والدي، يتقاطع مع تجذر عميق في الثقافة الفولكلورية القوية للوطن الأصلي – وأحياناً يكون نقيضاً لها.

بالنسبة لي لم يكن لديّ انقسام في الولاءات – ليس بشكل واع على أية حال. كان هاجسي الطاغي خلال سنوات نشأتي هو طرح أي أثر يوحي بأنني أجنبي — أو دخيل— في شخصي، وأن أصبح أميركياً مستوفياً لكل صفات الأميركي، وقد تكبدت في سبيل ذلك الكثير. كنت أعرف تماماً ما أريد. كنت أريد أن أصبح كالأطفال الآخرين في الجوار وفي المدرسة. كنت أريد أن أصبح فتى رياضياً بطبيعته يدعى بوب أو مارك، أو يطلق عليه لقب تشيب التحببي، وأن تكون قصة شعري قصيرة كقصة شعر جنود سلاح البحرية (كنت قد ابتليت بشعر كثيف مجعد)، وأن يتصرف أبواي بطريقة عادية مقبولة. كنت أريد لمعان سيارة فورد جديدة (كان والداي مغرمين بالسيارات الأجنبية)، وقفاز بيسبول مبللاً بشيء من الزيت لاستخدامه في تلقف الكرات في الساحة مع والدي (الذي حسبما أعرف لم يضع يده في قفاز بيسبول طيلة حياته — وهو في السبعين الآن).

لم يكن ذلك بالشيء الكثير في إطار الأمنيات، ولكن يبدو كما لو أني كنت أطلب أن أكون محارب نينجا أو راعي بقر أرجنتينيا، فبغض النظر عما كنا نبدو عليه من الخارج كنت مقتنعاً تماماً بأنه لم يكن بوسعنا حتى أن نأخذ لأنفسنا مكاناً في المجتمع. كنا غرباء من بلاد غريبة. لم يكن لوالدي اسم مثل جاك أو تيد، بل كان اسمه غونار واسم أمي سيلفيا. أما أنا، رعاني الله، فقد كان اسمي سفين، رغم أني تحديت المناداة بالأسماء في المدرسة في بداية كل عام وأعلنت بأن اسمي هو بيتر – أو "بيت" – والذي كان اسمي الأوسط. لم يكن بوسعي عمل أي شيء إزاء حقيقة أننا كنا نتكلم اللاتفية في البيت، وأن والدي لم يتجنبا قط التحدث بهذه اللغة أثناء وجودنا معاً خارج البيت. كنت متحفزاً دائماً في كل مرة تخرج فيها العائلة للتصدي للانطلاقة الحتمية للغة الأم. أما داخل بيتنا فقد كانت الأمور متوترة وهشة دون ذرة من الألفة مما جعلني أتجنب دعوة أصدقائي.

في الوقت الذي كان كياني كله يتحرق شوقاً للسوية الأميركية العادية ويغمرني الخجل لأدنى إشارة إلى اختلافنا، كنت أقضي أيامي ألعب دوراً أقلد فيه أصدقائي المحظوظين وأبدل قناعاً تلو آخر متظاهراً بأقل ما يمكن من التكلف ومحاكياً العبارات الشائعة العامية بكل التواءاتها، وهو ما كان تعبيراً عن انتماء لم أشعر به لحظة واحدة: "هاي، يا ريك! هل أنتم يا شباب باقون هنا؟" أو: "لا، لا أستطيع. والدي يريد مني إصلاح بعض الأشياء في المنزل — سأراكم لاحقا." كان ذلك كله تمثيلاً في تمثيل استمر مع بعض التغير فقط في نغمة اللهجة حتى سنوات مراهقتي المتأخرة عندما جعل انفجار الثقافة المضادة من الممكن، بل من المرغوب فيه، أن يكون المرء "غريباً" أو "مختلفا."

إذن، كانت أعمق أحاسيسي بما يعنيه أن تكون أميركياً قد تأثرت منذ البداية بهذه التخيلات عن الآخر الذي لا سبيل إليه. لم يكن هناك فيها ما له علاقة بديانة مشتركة، أو أي شيء من قبيل "بوتقة انصهار"، ولا مكان لأي شيء يتعدى بساطة الأشكال المجردة من العمق والمصداقية: القامة الرشيقة لنجوم البيسبول وآبائهم المتحمسين ينقلونهم بسياراتهم الستيشن واغن إلى المباريات — وأمهاتهم الرشيقات ينشرن ملاءات نظيفة المظهر على الحبال في ساحات البيوت ويملأن عربات التسوق بالذرة وأرغفة الهامبرغر المستديرة.

لقد دهشت، بعد عدة سنوات، عندما قرأت رواية فيليب روث شكوى بورتنوي Portnoy's Complaint الصادرة عام 1969، إذ شعرت بدفقة من التجاوب مع تخيلات ألكس بورتنوي عن جوهر كون المرء غير يهودي، التي ضمنها تخيلاته عن فتاة غير يهودية وهي تتزلج على الجليد بطريقة مثالية:

"ولكن من الذي ينشد صفات مميزة؟ أنا أريد الفتاة الحقيقة، التي لا بديل لها! بسترتها الزرقاء ذات القلنسوة، والكمين الحمراوين اللذين تحمي بهما أذنيها من البرد، وقفازاتها البيضاء الكبيرة — ملكة جمال أميركا على زلاجات! أريدها كشجيرة المسلتو وحلوى الخوخ (أياً كان ذلك). أريدها أن تكون ساكنة في بيت مصمم لعائلة واحدة، له درابزين وأدراج. أريد أن يكون والداها وادعين، صبورين، وقورين. كما أريد أن يكون لها أخ اسمه بيلي، ويعرف كيف يفكك محرك سيارة وكيف يقول: 'ممنون للغاية' وأن لا يخشى شيئاً …"

وكذلك:

"أنا أيضاً أريد أن أكون صديقاً لديبي رينولدز – إنه إيدي فيشر يخرج من داخلي، وهذا كل ما في الأمر. إنه الشوق في نفوسنا جميعاً نحن الفتيان اليهود السمر لتلكم الشقراوات الحسان المثيرات غير اليهوديات …"

كانت طاقة الشوق، بالنسبة لي، متطابقة تماماً — لكن هدفها ببساطة كان شيئاً كاملاً متخيلاً يدعى الأمركة، مع أن ما هو متخيل هنا بالطبع حقيقي بتأثيراته كأي مجموعة من الظروف الواقعية.

يا لها من دراما لكراهية الذات — الذات العرقية بالنسبة لروث. وبالنسبة لي. هل هي ثقافية؟ من أين نشأت؟ المسألة بالنسبة لي لم تكن الاحتقار المعلن لأصولي – رغم أني كنت مقتنعاً بذلك لعدة سنوات – بقدر ما كانت على نحو ما قناعتي بأني إنما "أشتري" صدق الصور التي تطل عليّ من كل اتجاه – من إعلانات المجلات واللوحات ومن جهاز التلفزيون الأبيض والأسود الذي حصلنا عليه مؤخراً والذي يبث سيلاً لا ينقطع من الكمال الأميركي السهل، والذي بتنا نعرف الآن أنه تلك المحتويات الرديئة لمسلسلات أوزي وهارييت وبرنامج دونا ريد، ومسلسل أولادي الثلاثة وما شابه ذلك. خلال مواجهتي الحادة يومياً مع الصورة التي لم أكن عليها كونت صورة مقنعة وباهرة للأمركة.

هذه الرغبة في الاستيعاب لم تكن لتفيدني كثيراً في تكويني الأدبي ككاتب إلا من حيث أنها عمقت الإحساس الذي تطور في نفسي بكوني مختلفاً وغريباً على نحو ما، وبأني لا أمتلك حقاً تلك الحقوق "غير القابلة للتصرف" المنصوص عليها في الدستور. وقد أصبح الوعي بالناحية الأخيرة بكل تأكيد تربة خصبة لبذور تطلعات أدبية متنوعة. إلا أن الإحساس بالاختلاف، خصوصاً عندما يكون المرء يافعاً، ليس بحد ذاته مبعث ابتهاج، بل يؤدي إلى البحث عن التواصل والدعم المعنوي وكل ما يقضي على الإحساس بالانفصال. وعندما لا يكون ذلك متاحاً فوراً في البيئة المحيطة فإن المرء يبحث عما يقوم مقامه. منذ البداية تقريباً وجدت ما أريد في الكتب، وكان ذلك أولاً من خلال الهروب وإسقاط التخيلات على الواقع بتصور الحياة الأميركية المثالية للأخوين هاردي (فرانك وجو) أو مختلف الأبطال الرياضيين الذين كانوا يبرزون بصورة مقنعة للغاية في الكتب التي كنت أحبها.

على أن هذه الإستغراقات لم تكن شيئاً يذكر بالمقارنة مع ما حدث لي في سنوات مراهقتي الأولى عندما حدث العكس تماماً لأول مرة. كانت قراءاتي قد تحولت إلى الأدب وتناهى إلى سمعي صوت المراهقة اللامنتمية من خلال كتب مثل المتلقف في الشاودار The Catcher in the Rye ثم سلام منفصل A Separate Peace وسلسلة روايات توماس وولف وبطلها يوجين غانت. الآن أصبحت الحبكة أكثر تعقيداً وحصلت لدي إنعطافة جوهرية في نظرتي للأشياء. كان سماع صوت هولدن كولفيلد بمثابة إحساس بالألفة القوية. وفهمت أني لم أكن وحدي في نظرتي للدنيا، أصبح عالم الكلمة المطبوعة فجأة حياً وزاخراً بالاحتمالات. أصبحت القراءة، وامتداد لها الكتابة، مهمة خلاص.

أصبحت أحاسيس الاختلاف واللاإنتماء لدي تتصل مباشرة مع أحاسيس الأبطال الغرباء في الأدب الجديد الذي تحولت إليه – واقترن ذلك بالتحولات الجديدة في الحياة الثقافية الأميركية – انتشار الروك أند رول، الهيبيين، مظاهرات الاحتجاج وكل التفاعلات التي عرفت بالثورة المضادة في أواخر الستينات – وأدى ذلك إلى موقف مختلف تماماً من "نموذجي" الأميركي. وانفجر إحباطي وغيظي المتراكم من سنوات عزلتي الذهنية فأصبحت أنظر بشكل معكوس لكل شيء. فجأة تحولت الصورة المثالية السابقة في ذهني للأميركي القوي السحنة، السديد الرأي، إلى رمز لعقلية "الصقور" وأصبح هدفاً لازدرائي الشديد (جميع أبطالي كانوا ذكوراً). أخذت أسخر من الشخصيات التي كانت تستحوذ على إعجابي، وفي ذات الوقت جهدت لإيجاد مكان في نفسي لكل أولئك الذين كنت قد تجاهلتهم سابقاً – الأقليات، الفقراء، وكل أولئك الذين التفت إليهم ألن غينسبرغ في مقالته "ولولة" Howl، التي أصبحت بمثابة إنجيلي الأميركي الجديد. أصبحت منجذباً لكتاب ليروي جونز أناس البلوز Blues People وكتاب فرانز فانون – البؤساء في الأرض The Wretched of the Earth — حتى لو كان ذلك فقط لما توحي به عناوين هذه الكتب.

كيف أثر كوني أميركياً على تفكيري وعملي ككاتب؟ ربما كان الأفضل أن يكون السؤال هو عن أثر كوني لاتفياً على إحساسي بمعنى أن أكون أميركياً. في سنوات رجولتي المبكرة وبعد أن اجتزت مرحلة الاحتياجات الشديدة في الستينات، والتي كان لها الأثر الأكبر في تشكلي، بت أعتقد أني قد تجاوزت حالة الغيظ المتوتر التي كانت تلازمني، بل يمكنني القول إنني قد توقفت عن التفكير بتلك الأمور ولم أعد أفكر لا بلاتفيتي ولا بأميركيتي. لم يعد هناك متسع للعموميات الكبيرة، واستغرقت في الهموم الملحة للعثور على عمل والعثور على حب ومحاولة أن أصبح كاتباً. وبدا أن انهيار الثقافة المضادة والإحساس المطول بالسأم العام الذي تلا ذلك قد جعل كلاً ينصرف لشأنه. إلا أن القضايا والتساؤلات لم تختف بالطبع. كل ما هنالك أني لم أعد أراها، وحين برزت للسطح من جديد لم أتبينها بوضوح ومرت عدة سنوات قبل أن أدرك حقيقة ما كان يجري.

حدث التغيير أو الصحوة عندما كنت في أواخر العشرينات من عمري. كنت أعيش في كامبردج وبالكاد أستطيع تدبر معيشتي من عملي كبائع في مكتبة وأعاني من اكتئاب عميق نتيجة لانهيار علاقة عاطفية طويلة، وتعطلت تماماً محاولاتي لكتابة أدب قصصي. كان الضوء الوحيد أو الصلة الوحيدة لي بواقع الحياة هي القراءة. كانت القراءة دائماً جزءاً من حياتي وقد أقبلت عليها في هذه الفترة بنهم شديد. كانت تمر عليّ أيام وأسابيع وشهور وأنا أجلس على كرسي من الكتان الرخيص في غرفتي الصغيرة في الشقة التي كان يشاركني فيها شاب يطمح إلى أن يكون شاعراً، أدخن وأقرأ الروايات وبشكل خاص الروايات الأجنبية والمترجمة والأوروبية. قرأت روايات من تأليف كنوت هامسون وتوماس مان وماكس فريش وهنريك بول وعشرات غيرهم، وكلما كانوا مغمورين أكثر كان ذلك أفضل. وجدت نفسي منجذباً بقوة إلى بيئة هذه الروايات وما فيها من طباع وكل ما يجعلها مختلفة عن الروايات المحلية التي قرأتها سنوات طويلة. على أني لم أشعر بأي إحساس أستطيع تذكره للانجذاب إلى أي شيء يوحي بعلاقة مع ثقافة موطني الأصلي. كنت أقرأ فقط وأطوف بخيالاتي في الأجواء الغريبة لبني قومي.

ثم جاءت لي الفرصة، ففي تجوالي الأدبي وقعت على العالم الغريب الذي صوره روبرت موسل في ملحمته عن الحياة في فيينا قبل الحرب رجل بلا مناقب The Man Without Qualities. هنا برز شيء جديد إضافة للاحساسات المألوفة بالتعاطف الوجداني، فقد أخذت القراءة تشدني للعودة للكتابة، ولكن ليس الكتابة الروائية بل التأملية. أخذت أشعر بقوة طاغية تدفعني لجمع انفعالاتي وأحاسيسي المتنوعة بالكتابة عنها. وجهدت أسابيع طويلة لكتابة مقال طويل عن روبرت موسل ورائعته التي لم يكملها. قرأت كل ما ترجم حول الموضوع، قرأت كتباً عن الثقافة السائدة في فيينا في العقود الأولى من القرن، وأقبلت بشدة على ذلك العالم متخيلاً الشوارع الضيقة والحدائق العامة والمقاهي وطقوس الحياة الاجتماعية للبرجوازية في فيينا، وبدا لي كأني أرى بوضوح تام رتابة الحياة وإيقاعاتها في ذلك العالم القديم. الشيء الوحيد الذي لم أره كان الشيء الأكثر وضوحاً والذي لم أدركه إلا بعد عدة عقود عندما كنت في المراحل الأخيرة لكتابة مذكراتي.

ما أريد أن أقوله: إنني بانغماسي لمدة طويلة في هذا العالم المتخيل بوضوح شديد إنما كنت في واقع الأمر أتصل بعالم القصة الذي واكب نشأتي، فيينا موسل – العصر، الثقافة، بيئة الزخرف المعماري المسرحي – كانت كلها من عدة نواح خلاصة لمدينة ريغا والحياة التي عاشها أجدادي وبدرجة أقل أبواي في طفولتهما التي كنت أتخيلها لهما. خيالاتي تلك كانت، رغماً عني، مستمدة من المخزون الذي كونته في طفولتي المبكرة، وأدركت أن هناك خطاً متصلاً من الطاقة المتدفقة بين كل ما اكتسبته من معرفة في بيئتي العائلية – الصور والبطاقات التي طالما تأملتها ملياً (بصرف النظر عن رغبتي الشديدة في العيش كفتى أميركي عادي) وبين البيئات والأجواء التي أسرتني في رواية موسل. أوروبا تلك كانت مألوفة لي، كانت تشبعاً حميماً هيمن عليّ من جميع النواحي.

كتابة تلك المقالة فتحت الطريق لمقالات أخرى كثير منها، إن لم يكن معظمها، يتعلق بمواضيع أوروبية. وذات يوم، وكعادتي في اكتشاف الأشياء متأخراً – تبين لي أني ارتدت مجالاً أدبياً من نوع خاص: كنت الناقد الذي سيعقد مقارنة بين الثقافة الأدبية الأميركية والمخزون العظيم من الأدب المترجم، الأوروبي منه بشكل خاص. وقد صدر كتابي الأول تيه مصطنع: مقالات في أدب القرن العشرين An Artificial Wilderness: Essays on Twentieth Century Literature وتلاه بعد سنتين كتاب الحياة الكهربائية: مقالات في الشعر الحديث The Electric Life: Essays on Modern Poetry. ولم أصبح مستعداً لتناول الكتاب من أبناء الثقافة التي أنتمي إليها إلا بعد صدور الكتاب الثالث طاقات أميركية: مقالات في القصص الخيالية American Energies: Essays on Fiction.

إني أتلكأ في رواية سيرتي الأدبية لأنها تبرز ما يبدو فجأة أنه نقطة واضحة، مع أني كنت غافلاً عنها سنين طويلة – وهي أن مسار حياتي كلها – بما في ذلك الكتابة – قد تشكل بعمق أولاً بالرفض الحازم ثم بالقبول المقنع لثقافة أسلافي وأن هذه الديناميكية قد تأثرت عند جذورها العميقة بإحساس قوي جداً، وإن كان مشوهاً، بما يعنيه أن تكون أميركياً.

ما أتحدث عنه هنا هو الإحساس البدائي، والذي يكاد يكون غير منطقي، بالالتزام الذي شعرت به كابن لمهاجرين جدد بالاندماج في العالم المحيط بي، وهو العالم الذي اتخذ مظهراً مثالياً بسبب أحداث (أو مقادير) الزمان والمكان. على أن مما يلفت النظر أن ذلك لم يكن وهماً من صنع خيالي فقط. إن أميركا التي سعيت إليها تتطابق تماماً تقريباً مع الصورة النمطية المألوفة، إن لم تكن السائدة، في الثقافة العالمية: الأميركي الأبيض الثري الرياضي المحترم. كنت في إقبالي على الحلم الأميركي بذلك الحماس الشديد إنما أسعى في الواقع إلى صورة رسمتها لي ذهنية جادة ماديسون.

لقد استغرق الأمر حتى الستينات حتى صحوت من اغتباطي بنفسي واتخذت موقفاً مضاداً لطغيان تلك الصورة النمطية مدفوعاً بطاقات التحرر التي أطلقتها الثقافة المضادة والخبرات التي صادفتني إضافة إلى وعي متزايد بحقائق الحياة محلياً وعالمياً. لقد كافحت لرفض تلك الرواسب العميقة وشعرت بالغرور- ألسنا جميعاً كذلك؟ – لاعتقادي بأني نجحت في ذلك. وبالفعل، فإنني أميل للاعتقاد بأن أيما شيء أعتبره الآن أميركياً إنما تسري فيه روح الإثنية والتنوع (رغم أن هذه العبارة تعتبر متحذلقة)، وأن هذا التحول في الوعي يؤثر في تفكيري وكتابتي في كل ناحية. إلا أنه، والحق يقال، لا يعتبر تشكيلياً بنفس الطريقة، بل يتراكم فوق الوعي الآخر، الغريزي. ولعلي أتمنى لو كان ذلك شيئاً مختلفاً. إن وعياً مختلف الجوهر، أو استثماراً أقل استحواذاً للبال في الأوهام الباطلة القائلة بأن الشخص طبيعي هو من كان أبيض البشرة، من أصل أنغلوسكسوني، ويدين بالبروتستانتية، ربما كان من شأنه أن يجعل مسيرة حياتي أكثر سهولة وأقل إيلاماً. هذه الظنون، بقدر ما هي خادعة للأسف، فإنها تقودنا إلى لا شيء. إن أحلامنا تشكل سلوكنا وليست لنا سيطرة على هذه الأحلام.

يوصف سفين بيركيرتس بأنه "سيد كتاب المقالة الأدبية"، وقد أصدر عدداً من الكتب التي لاقت رواجاً وتناول فيها مواضيع أدبية وثقافية. وتشمل أعماله الرئيسة تيه مصطنع: مقالات في أدب القرن العشرين An Artificial Wilderness: Essays on Twentieth Century Literature (منشورات مورو، 1987)؛ الحياة الكهربائية: مقالات في الشعر الحديث The Electric Life: Essays on Modern Poetry (منشورات مورو، 1989)؛ طاقات أميركية: مقالات في القصص الخيالية American Energies: Essays on Fiction (منشورات مورو، 1992)؛ مراثي غوتنبرغ: مصير القراءة في عصر إلكتروني The Gutenberg Elegies: The Fate of Reading in an Electronic Age (دار فابر وفابر، 1994)؛ قراءات Readings (دار غراي وولف، 1998)؛ ومهني الزرقاء زرقة السماء My Sky Blue Trades (غراي وولف، 2002]. وقد ظهرت مقالات وتحليلات بيركيرتس في ملحق مراجعة الكتب لجريدة نيويورك تايمز New York Times وفي مجلات أتلانتيك Atlantic، هاربر Harper's، نيو ريببلك New Republic، نيشن Nation، أميركان سكولار American Scholar، ومطبوعات أخرى.

يقول بيركيرتس في مراثي غوتنبرغ: "إن انغماسنا المتزايد في الاتصالات الإلكترونية التفاعلية قد يقطع صلتنا بالقوى الحضارية للكلمة المكتوبة"، وإن "الكتب الإلكترونية وأشرطة الفيديو التفاعلية ستستنزف قدراتنا على التأمل." إن قلقاً كهذا ليس مفاجئاً من مثقف أديب يبين في مقاله المرفق كيف أن تأمل وقراءة أكثر المواضيع إبهاماً قد ساعده في اكتشاف هويته وتجديد علاقته بالثقافة التجارية الأميركية التي أحاطت به منذ ولادته عام 1951 في بونتياك، مشيغان لأبوين مهاجرين من أوروبا.

تشمل الجوائز التي نالها بيركيرتس شهادة التميز في مراجعة الكتب، الممنوحة له من الجمعية الوطنية لنقاد الكتب (1985) ومنحة لايلا والاس من مؤسسة ريدرز دايجست (1991) ومنحة من مؤسسة غوغنهايم (1994).

منذ العام 1994 وحتى الآن، يعمل بيركيرتس عضواً في هيئة التدريس الأساسية في حلقات بننغتون لتعليم الكتابة Bennington Writing Seminars، كما أصبح منذ العام 1997 محاضراً في كلية ماونت هوليوك. وتشمل قائمة المطبوعات الأدبية، التي ظل على اتصال وثيق بها، كلاً من ويغ واغ Wigwag، ميرابيللا Mirabella، وإسكواير Esquire. كما عمل محرراً في مجلة أغني Agni.

"ولدت في العام 1951 في مدينة بونتياك بولاية مشيغان لأبوين من لاتفيا، كانا قد هاجرا مؤخراً من مناطق تجمع اللاجئين في ألمانيا حيث وجدا نفسيهما في نهاية الحرب."
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خالد الرواضيه




مُساهمةموضوع: رد: كتاب عن امريكا   7/8/2011, 09:31

ربنا يوفقك فى حياتك كلها وتبقى دايما رمز براق جدااااااااااااا للنجاح والخير آمين يارب العالمين))
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كتاب عن امريكا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اربد :: المنتدى العلمي :: ادب و شعر :: مكتبة اربد-
انتقل الى: