اربد

منتدى معلومات عامة
 
صفحة الاعلاناتالرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر

pubacademy.ace.st--!>
pubacademy.ace.st--!>

شاطر | 
 

 تحميل كتاب المدخل الى الطب المندمج المنصف المرزوقي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Jasmine collar




مُساهمةموضوع: تحميل كتاب المدخل الى الطب المندمج المنصف المرزوقي   18/1/2012, 07:08


تحميل كتاب المدخل الى الطب المندمج المنصف المرزوقي
تحميل كتاب المدخل الى الطب المندمج المنصف المرزوقي


د .منصف المرزوقي
أستاذ الطب الجماعي


المدخل الى الطب المندمج

القسم الأول
القسم الثاني
القسم الثالث

الدرس الأول :تطوّر الطب

من النقائص التي لا تسترعي الإنتباه بما فيه الكفاية عزوف برامج تكوين الطبيب عن التطرّق إلى تاريخ الأفكار في الطبّ ، فأغلب الجامعات في العالم لا تفسح لهذا العلم أي مجال وقد ينهي الطالب دراسته دون أن يتلقى درسا واحدا فيه، وهناك قلّة منها (أي الجامعات تخصص دروسا للتاريخ الطبي لكنها لا تعتبرها جزءا لا يتجزأ من تكوين الطبيب وإنّما نوعا من الزينة الثقافية إن لم تقل من الترف الفكري.
وخطأ هذا الموقف بديهي ، فمن الضروري ، أن يبدأ تدريس الطب بتدريس تاريخه وذلك للأسباب التالية :
* إنّ الطالب قادر بهذا وبهذا وحده على إكتشاف الحركية والنسبية في المعلومات التي يتلقاها، وفي هذا فهم أعمق لها.
* إنّه قادر عبر هذا الفهم على التعامل النقدي مع كلّ ما يتلقاه وعلى تفادي الوقوع في فخ العقلية المعهودة التي لا تبحث إلاّ عن تطبيق وصفات جاهزة لا تختلف في بعض الأحيان عن الوصفات الخرافية الي يخيّل للطبيب العصري أنّه تجاوزها.
* إن الوعي بالحركية والنسبية في الفكر الطبي من الحوافز للبحث العلمي التي لا يستهان بها فمن يدرك أن الطب بحث مستديم منذ بداية التاريخ، قادر على ولوج ميدان البحث بدوافع تعطي للوسائل الموضوعية تحت تصرفه ننجاعة أكبر. * إنّ كل طالب المعرفة سواء أكان تلميذا أو أستاذا هو مواطن في عالم الطب وتاريخ هذا الأخير تاريخه فهو حلقة في سلسلة متصلة الحلقات والسلسلة متقدمة على الحلقة ومتحكمة فيها وبالتالي فإنّ الجهل بالتاريخ يعزل هذه الحلقة عن مصدر وجودها * * *
ما الذي يجعل الجهل بالتاريخ مستشريا وتدريسه أمرا شاذا والحال أنّه يجب أن يكون القاعدة ؟ الأسباب متعدّدة ومن أهمّها : * إن المعرفة التاريخية تتطلب التمكّن من الطب بشتى فروعه وتتطلب أيضا الإلمام بالتاريخ وبعض اللغات القديمة كاليونانية، وبالألسنية ، وحتى بالعلوم الدينية وبعلم الإجتماع ، ومن البديهي أن الطبيب بحكم تكوينه العلمي والمهني غير مؤهل لأن يصبح مؤرخا أو مختصا في الألسنية مثلا ، والمؤرخ بحكم جهله بالطب غير قادر على فهم تطور الأفكار العلمية في ميدان تقني ، كتخصص طبّي ما. * إن القراءة التاريخية قلّما تكون موضوعية فهي ليست محل نزاع بين المدارس والافكار المتضاربة فحسب ولكنها أيضا مكانا للصراع الشوفيني بين الأمم (8)لإثبات تفوّق هذه وفضل تلك على تطور المعارف الطبية ، وهو ما يزيد الأمور تعقيدا وغموضا فمن المستغرب مثلا أن تقرأ (1) وصف الطب الذي عرفه التاريخ عن العرب في القرون الوسطى بأنّه الطب " اليهودي" ـ العربي" ، والحال أن اليهود هم الذين أخذوا الطب عن العرب وليس العكس ، وفي الإتّجاه المعاكس نجد إسفافا كبيرا من طرف المؤرخين العرب المعاريين في محاولة إثبات فضل الطب العربي الإسلامي على الغرب إذ يرجعون تطوره الحديث إلى ما اكتشفه أطباؤنا في العصور الوسطى، وهو موقف غير سليم لأن تطور الطب في الغرب حصل بفضل عضمه للطب العربي الإسلامي وتجاوزه له (12) في نفس السياق نعجب لإغفا ل المؤرخين الغربيين لدور حضارات عريقة كالحضارة الهندية والصينية في تقدم الطب ، ناهيك عن دور العرب والمسلمين ، فالنظرة الشمولية إذن محدودة بقصر النظر وانغلاقه مثلما هي محدودة بصعوبة استيعاب ميادين مختلفة من عالم المعرفة.
* إنّ التاريخ الوصفي نفسه ليس بالبساطة لتي قد نتصورها ، لنعتبر مثلا اكتشاف الدورة الدموية ، هل من الممكن أن نبتّ بصفة قطعية في تاريخ اكتشافها وفي صاحب الإكتشاف ؟ قطعا لا فالقراءة التاريخية المدققة تظهر أن الفكرة متعددة المصادر ، فابن نفيس هو أول من عارض فكرة الطبيب الإغريقي الكبير قالينوس بوجود ثقب بين البطين الأيمن والأيسر وأول من أعطى تصورا نظريا للدورة الدموية الصغرى وقد تلقف نفس الفكرة Michel servet سنة 1553 في كتاب ديني (2) Cristianismi-Resti-Tutio ثم شهدت الفكرة تطوّرا بطيئا ووجدت ما يسندها في اكتشاف aquapendente‘ Favrice d لصمامات الأوردة سنة 1497 ، وخاصة في وصف Cesalpino سنة 1594 لدورها في ضخ الدم نحو القلب، وكان للإنجليزي William Harvey 1578)-1657) الفضل ففي تجميع كل هذه المعلومات وإثبات الدورة الدموية بصفة علمية في كتابه "حركات القلب والدم عند الأحياء " الصادر سنة 1628 واكتمل التصور بالعالم الفرنسي Pecquet الذي استطاع سنة 1649 أن يثبت خطأ إحدى أهم "المقدسات" في الطب القديم والتي توارثها الأطباء من عهد أبو قراط وقالينوس والقائلة بأن الدم يتكون في الكبد ومنه يتفرع.
وتتضح نفس الفكرة إن نحن تابعنا اكتشاف التلقيح وهو الإكتشاف الذي تعزوه الكتب إلى الطبيب الإنجليزي الكبير Jenner (1823-1749) ونحن لا ننقص في شيء من قيمة الإكتشاف وصاحبه أن قلنا إن Jenner توّج بإكتشافه تيارا فكريا متقدما عليه وقديم جدا، فقد كان الصينيون ينصحون باستنشاق البثور المجفّفة للمرضى لأنهم لاحظوا أن من أصيب مرة بالجدري لا يعاوده المرض ، كما كان بعض أطباء اليونان خاصة إبان وباء 1701 في القسطنطينية يحقنون غير المرضى بقيح بثور المصابين ، وكان لسفير إنجلترا في القسطنطينية دور كبير في إشاعة هذه الطريقة في بلاده ، وتتضح غبر هذيه المثالين ضرورة الإحتراز الشديد من التقرير بأن فلانا صاحب الإكتشاف العلاني، إذ لا يكون هذا عادة إلا كتتويج بأعمال متعددة متفرقة عبر الزمان والمكان تتبلور عند هذا الشخص أو ذاك لنج في تطوّرها وتوفّر ظروف موضوعية (تقنية عادة) تسمح بها.
هل معنى هذا أن الصعوبات التي وصفناها تجعل المعرفة الطبية الموضوعية مستحيلة أو غير صحيحة ؟
طبعا لا فالمهمة صعبة ولكنها ليست فوق طاقاتنا ونحن نتوفر حاليا على العديد من المعلومات التي تمكننا من تجديد الإطار العام والخطوط العريضة لتطور الطب على الأقلّ في إطار النظام الحضاري الغربي المسيطر حاليا في العالم.
وبما أن دور المعرفة التاريخية ليس في تصفيف المعلومات الذرية في خصوص من اكتشف ؟ وماذا ؟ وفي أي زمان ومكان ؟ وإنّما هو في ربط الحاضر بالماضي لاكتناه معالم المستقبل ، فإننا نود التركيز في هذا النص المقتضب على ما يبدو لنا أنّها خطوط القوّة التي تخلق وتوجه هذا السيل المتدفق من النظريات والمعلومات والتقنيات التي تشكل تاريخ الطب ومن أهمّها :
ـ الإرتباط بالإيديولوجيا ...
ـ الإرتباط بالتكنولوجيا.
ـ التغير الدائم للمشاكل .
ـ التطور الجدلي للمعارف الصحية
ـ تصاعد سرعة حركة المعرفة.
ـ إن تصور مجتمع للطب والصحة والأمراض هو جزء من تصوره للعالم فإذا اعتبرنا تفسير الأمراض في المجتمعات البدائية (11) فإننا نكتشف أن تصورها هو الإمتداد في ميدان الطب لتصورها للعالم ، فهذا الأخير كائن حي ومسرح لقوى غيبيّة متعدّدة تتكون من آلهة وشياطين وأرواح الخل وهي في تعامل دائم مع الإنسان ومن ثمة فإن المرض نتيجة (6-7).
ـ غضب الآلهة وعقابها به للكفار أو للمتطاولين على المحرمات.
ـ إضب الأجداد المتوفّين لنسيانهم السريع (مع العلم أن تذكّر الموتى في هذه المجتمعات هو بمثابة تخليدهم).
ـ عمل السحرة لحسابهم الخاص أو لحساب عدو شخصي .
ـ ضياع "الروح" ومفارقتها للجسد إثر تدخل قوة غيبية أو ساحر شرير.
ـ تقمّص الأرواح الشريرة للمريض .
ـ ضياع التوازن داخل الجسم عادة بدخول برد أو حر مفرط (9).
ـ حسد العين .
ومن هذا التصور العام ينبع العلاج ، وفي وصف بعض من مظاهره يقول مرسياالياد عالم الأنتربولوجيا المعروف.
"لقبائل الميهل المهندية أساطير تروي الظروف التي ظهر فيها المرض ، وهي تقريبا نفس الأساطير الشائعة في جنوب شرقي آسيا، ومفادها أن العالم كان في بداية التاريخ ملكا مشتركا بين البشر والأرواح الشريرة لا مرض فيه ولا ألم. ثم دبّ خلاف بين الفريقين ، فسلّطت الأرواح الأوبئة على الناس لتحاربهم وتقتصّ منهم ، لذلك يجب على الطبيب الساحر معالجة المرض بمحاولة إصلاح الأمور بينهم وبين هؤلاء الأعداء ، وأن لم ينجح في إحلال السلام فعليه تهديد الأرواح المتسبّبة في المرض وتذكيرها إن رفضت الصلح بالإنتصار الساحق الذي أحرزه السّاحر الأكبر داتومبا بمعونة الربّ فأرودا في الحروب السابقة التي قادها ضدها ".
القاعدة إذن :
الإرتباط وثيق بين الايدولوجيا¬ ( أ ) وطريقة تفكيرنا في المشاكل الطبية وتعاملنا معها ولا تقبل القاعدة جدلا في الزمان ولا في المكان.
فالطب الصيني القديم مثلا جزء من النظرة العامة للكون بسببيّة المكوّنين الينج Ying واليانج Yang وفي هــذا نقرأ في كتاب نـاي كنـج (2700 ق.م) (2) تتنقل طاقة الطبيعة حسب قوانين خاصة بها ، كذلك الطاقة في جسم الإنسان حسب نفس القوانين
(一) الإيدولوجيا : جملة التصوّرات الفكرية للعالم والإنسان والقيم الإجتماعية التي تتميّز بها مجموعة بشرية من أخرى
التكنولوجيا : جملة التقنيات المتوفّرة لدى مجتمع ما لخلق الثروات المادية والفكرية والتّتظيمية الموجودة في الطبيعة وإن حصل خلل في هذه الحركة كان المرض ، وحسب هذا التصوّر نرى الطبيب الصيني يحاول إيجاد وصف دقيق ومعقد "للقنوات" التي تمر بها هذه الطاقة الحيوية ، فيرسم خريطة جغرافية تتمثل في 12 قناة رئيسية و15 قناة فرعية و8 قنوات إضافية ، ويعهد لهذه القنوات التي تحمل الدم والطاقة الحيوية بربط الأعضاء في وحدة شاملة ، ويكون المرض إذا حصل خلل ما في هذا الجهاز المعقّد ومن ثمّة نراه يعهد إلى إكتشاف النقط (وجملتها 360) التي يجب وخزها بالإبر للتأثير على شتى أصناف الأمراض.
لا نعجب إن رأينا أن من ترتّبات هذا التصوّر "ضمور" كلّ معرفة جادة عن الأعضاء التي سيبقى علم الطب الصيني بها هامشيا، خاصة وأن القيم الأخلاقية كانت ترى فيه عيبا. وهكذا تطوّر الطب الصيني في غير الإتجاه الذي عرفه الطب الغربي المعاصر والذي نعتبره تجاوزا علميا أي منفصلا عن كل إيدولوجيا ولا يخضع إلاّ لديناميكية البحث عن الحقيقة المجرّدة وهو ما سنراه خطأ في الفصل المقبل . ويترتب عن هذا أمر في غاية الأهمية .
1 ـ إن التغييرات التي شهدها تطور الطب تتمثل في نوعين : الطفيفة وتكون ببالتراكم المعلوماتي طالما بقي التصور القديم سائدا ، والجذرية إذا تغيرت نظرة المجتمع للعالم ، وهي الوضعية التي تعرفها حاليا جل المجتمعات المتخلفة حيث هي بصدد استبدال تصورها للعالم ، ومن ثمة لتصورها وتعاملها مع الأمراض سواء أكان هذا التعامل على صعيد مستهلك المعلومات الطبية أو منتجها (10),
2 ـ ما هو المحرك الرئيسي للتراكم المعلوماتي في الطب ؟ والرد هو : التكنولوجيا وقدرتها ، ففي عصور ما قبل التاريخ (الحضارة الأولى) نرى قدرات التشخيص والعلاج محدودة للغاية حيث لا يتوفّر الطب إلاّ على بعض الحجارات المذبّبة لفتح الجمجمة ، أما إبّان الفترة التي شكلت فيها الزراعة الفتح التكنولوجي (الحضارة الثانية) فإننا سنرى الطب يستعمل كلّ إمكانيات هذه الحضارة من آلات بسيطة كالمقصّ والمشرط الخ ... وخاصّة الأعشاب في المداواة. لكن التقدّم المتسارع في الإكتشافات التكنولوجيى الذي صاحب ظهوره الصناعة (الحضارة الثالثة) هو الذي كان وراء التقدّم المتسارع في الطب (3).
فعلى سبيل المثال ، تقدمت علوم الأحياء بفضل اكتشاف المجهر من طرف(1723-1631) Leeuvenhook وكان هذا الرجل تاجرا . كما أدّت اكتشافات Volta, Edisson في القرن التاسع عشر في ميدان الكهرباء إلى تطوّر التنظير الداخلي للجهاز البولي من طرف (GNITZE 1880) والتـنفسي (Killtan 1897) والهضمي (Scidenla 1922).
وكان للأبحاث في ميدان الفيزياء ترتبات هائلة في تطور الطب حيث استعملت لوضع طرق للتخطيط الكهربائي للقلب (Waller 1887) و (Lewis 1921) والتخطيط الكهربائي للدماغ (BERGER 1931) وخاصّة التصوير بالأشعة (ROENGTEN 1895).
ولا شـك أن استعمال المواد المشعّة في ميـدان التشخـيص والعلاج ما كـان له أن يصبـح ممكـنا لولا أبحاث الفيزيائيـين Becquerel و Pierre وزوجته Marie Curie واكتشاف مادّة الأورانيوم سنة 1896 ومن ثـمّة تتضح هذه البديهية أنّ تطور الطبّ مرتبط أوثق الإرتباط بحالة وقدرات التكنولوجيا داخل المجتمع وأن أي تطور نوعي فيها يؤدّي إلى قفزة في ميدان امكانيات الطبّ.
3 ـ يعرف تاريخ الطبّ بصفة مستمرة ظاهرتين أولهما التغيّر الدائم لتنصنيفنا للأمراض وثانيهما تغيّر الأمراض نفسها .
أ ـ إن مقارنة بسيطة بين تصنيف الأمراض في المدرسة الأبوقراطية 460)قبل المسيح ( وتصنيف قالينوس ( 200 بعد المسيح)، وتصنيف Cullen )1712 -(1790 وتصنيفنا المعاصر للأمراض تظهر التغييرات الدظرية الحاصلة عبر العصور فهناك أمراض اختفت من القاموس ك " المرض الثخين " لأبوقراط ونحن نجهل كل شيء عن فهم الأبوقراطيين له ، كما أن هناك مراض انفجر على عدد كير من الإصابات مثل الصفرة Ictère ، (ونحن نعلم اليوم أن الصفرة هي عرض يدل على العديد من الأمراض لا مرضا في حد ذاته).
كما تغيّرت معاني المصطلحات وما تحتويه فمصطلح العصاب مثلا Nevroses كما استعلمه Cullen مخالف تماما لما نسميه اليوم عصابا حسب Freud.
ولهذه الظاهرة مغزاها العميق ، إذ تعني أننا نرى في عصرنا هذا أمراضا لم يكن الطب القديم يراها ولا نرى أمرا ضا كاان هو يجاهد للقضاء عليها ، ولا شك أن تصنيفنا نحن اليوم للأمراض عرضة للتغيّر إذ قد تكون بصدد وصف أمراض غير موجودة لأننا سجنّا أنفسنا داخل تصنيف مغيّن ولغة معينة واصطلاحات معينة، في حين أننا نمر أمام أمراض حقيقية سيقع وصفها متقبلا.
ب ـ إنّ "أهمية" الأمراض المحددة والمعروفة متفاوتة عبر العصور فإذا اعتبرنا تاريخ الأمراض في الغرب مثلا فإننا نواجه بظاهرة انتشار الأوبئة الإنتانية أو الجرثومية إلى بداية القرن التاسع عشر ثم انخفاضها بدرجة كبيرة وتفشّي أوبئة أخرى مكانها فقد عرفت أوروبا حائحات مخيفة كانت تقضي أحيانا على ثلث السكان وهو ما حدث بالنسبة للطاعون سنة 1665 في لندن و1720 في مرسيليا ، ومدن أخرى كثيرة.
وبالنسبة للجدري (لندن 1627 ) يقدّر المؤرخون ضحايا هذا الداء في القرن الثامن عشر بمائة مليون نسمة في كامل أوروبا، أما السل فقد قدّرت ضحاياه ب 150.000 نسمة سنويا في فرنسا وحدها طوال القرن التاسع عشر .
ومن المعروف أن هذه الأوبئة اختفت كليا من هذه البلدان إما لأن المرض انقرض ( الجدري) أو لأن أظافره قلّمت (الطاعون، السل) .
لكنننا نعرف في المقابل ظهور "أوبئة " أخرى من طراز جديد كأمراض القلب والسرطان الذي يقدّر أنه سيقتل 70 مليون شخص في أوروبا إبّان العشرية المقبلة ، ناهيك عن مرض عوز المناعة المكتسب SIDA المنتشر انتشار النار في الهشيم. والمهمّ في هذا السياق من الحديث هو الوعي ديناميكية الأمراض عبر التاريخ ، أما عن الأسباب فسنتعرض لها فيما بعد ، وهذه الديناميكية المستقلة عن الطبّ هي التي تفرض عليه "الجري" الدائم وراء المستجدّ والمستفحل للتعامل معه وتطويقه.
4 ـ تسقط نظرية التطور الضمنية بالنشوء والإرتقاء عبر الزمان بعض الظواهر التي تهجز عن تفسيرها في ميداننا.
لنتوقذف عند نصّين أولهما كتب حوالي 1250 قبل المسيح في مصر الفرعونية في خصوص رضوض الدماع وفقرات العنق ، يقول الطبيب المصري (2).
" إذا فحصت أحدا ووجدته مصابا بكسر في فقرات العنق وإذا لاحظت أنه لا يتحكم في أطرافه الأربعة ، وأن قضيبه منتصف وأنه لا يحفظ بوله دون أن يكون واعيا بذلك ... فاعلم أن ذلك نتيجة إصابة في عموده الفقري... وقل في خصوصه أن ذلك مرض لا نقدر عليه في شيء ".
إن قراءة بسيطة لهذا النص تثبت تواجد عناصر الفكر الطبي العلمي المتمثلة :
ـ في الوصف الدقيق للأعراض
ـ في ربط هذه الأمراض بسبب طبيعي (كسر لفقرات).
ـ في تقييم فعالية أنواع العلاج المستعملة.
ـ في إصدار إنذار (ب) موضوعي حول تطور المرض .
لنقرأ الآن النص الثاني وهو نصّ كتب في القرن السادس عشر ميلادي (3) في كتاب مخصص للعلاج Pharmacopée de Lemry
"وفي علاج مرض عرق النّسا، خذ كلبين صغيرين وقطعهما قطعا صغيرة وضع هذه القطع في إناء مزخرف مع رطل من الدود الحيّ ، غل ّ كلّ هذا طيلة ساعتين ثم ضع الخليط على مكان الألم".
من الواضح أن هذا النص يتعامل خلافا لما قرأناه عند الطبيب المصري مع علاج المرض من باب منطق آخر نصفه تجاوزا بالمنطق السحري والخرافي .
فالعلاقة بين المرض وعلاجه وهميّة ، والوصفة مبنية على شطحات الخيال وموغلة في الرمزية والطقوسية.
من المؤكد أن الفكر الطبي لم يسجل أي تقدم من عهد الطبيب المصري على عهد الأوروبي بل على العكس إذ نلاحظ أن التفكير العلمي متقدم هنا زمنيا على التفكير الخرافي لا العكس، يضاف إلى هذا أنّ بعض الوصفات التي نصفها حتى في عصرنا هذا للمرضى في بعض الأمراض المتستعصية لا تقلّ غرابة من الناحية العلمية وإن اختفت منها الصبغة الفلكلورية ونحن لا نكتشف هذه الغرابة إلاّ بعد حدوث التجربة ،عذا يعني بالطبع أنه ليس هناك تطورا معرفيا ومنهجيا عبر التاريخ ولكن نريد التركيز على أن هناك طريقتين للتعامل مع المواضيـع
___________
(ب) إنذار : Pronotic
Prognosis
الطبية : العلمية والرمزية وأنهما تواجدتا دوما وفي كل العصور حتى داخل الطبّ المدوّن ، ومن ثمة لا نستغرب وجود طبّ علمي من أقدم العصور وطبّ رمزي في القرن العشرين ، ويبقى توازنهما مرتبط داخل المجتمع بعوامل معقدة ومتعددة كالعادات والتقاليد والظروف الإقتصادية والإجتماعية وقدرة الطبّ العلمي على حل المشاكل المعروضة عليه وهو ما يفسر السياسة الحالية التي تنتهجها المنظمة العالمية للصحة في بعض البلدان الإفريقية للإعتراف بالطب الرمزي وإدماجه داخل الدورة العلاجية على قدم المساواة أو يكاد مع الطب العلمي (4).
ماذا الآن عن ظروف هذا التطوّر نفسه ؟ إنّ ما توحي به نظرية التطور، أن المعرفة الموضوعية تفرض نفسها بداهة وتتمكن من إزاحة الخطإ لا لشيء إلاّ لموضوعيتها ، وتفنّد القراءة المدقّقة لتاريخ الأفكار هذه النظرة إذ تتعرض الحقائق العلمية دوما إلى مقاومة مستيتة دفع لها كبار العلماء ( شأنهم في هذا الشأن كبار الأنبياء والفلاسفة والمفكّرين) ضريبة باهظة ، فعلى شبيل العدّ لا الحصر نذكر بأن نقاش نظريات أرسطو وخاصة قالينوس في العصور الوسطى كان يعتبر بمثابة الكفر ، ونحن نجد آثار هذا التقديس الخاشع في نص لعبد اللطيف البغدادي (وهو معاصر صلاح الدين الأيوبي ومن المعجبين به) (5).
"ومن عجيب ما شاهدناه أن جماعة ممن يتعاطون الطب وصلوا إلى كتاب التشريح لقالينوس فكان يعسر إفهامهم لقصور القول عن العيان فأخبرنا أن في المقسّي تلاّ عليه رمم كثيرة فخرجنا إليه فشاهدنا من شكل العظام ومفاصلها وكيفية اتصالها وتناسبها وأوضاعها ما أفادنا علما لا نستفيده من الكتب إما إنّها سكتت عنها أو لا يفي لفظها بالدلالة عليه مخالفا لما قيل والحس أقوى دليلا من السمع فإنّ قالينوس وأن كان في الدرجة العليا من التحرّي والتحفظ في ما يباشره ويحكيه فإنّ الحس أصدق منه".
لكن التعصّب الفكري الذي واجهه بعض كبار المصلحين في الطبّ كـ Paracelese وخاصّة البلجيكي Vesale كان من نوع آخر ، فقد عرف هذا الآخير ( 1514- 1564 ) مقاومة كبيرة من طرف أساتذة الجامعات الأوروبية لأنّه أدخل ثورة علميّة كبرى برفضه لعلم قالينوس ودخوله ميدان دراسة علم الأعضاء من أوسع بابه، أي التشريح وكان محجّرا من طرف الكنيسة ، وقد ما VESALE وحيدا فقيرا بعد أن أحرق كامل مخطوطاته غضبا ، وعرف الطّبيب السّويسري الكبير MICHEL SERVET مصيرا أتعس لأنّه أعاد إلى الأذهان سنة 1553 نظرية الدّورة الدمويّة التي قال بها ابن نفيس وقد اعتبرت نظريّته إلحادا ومات الرّجل محروقا وهو حيّ في مدينة جوناف. كما تعرّض الطّبيب المجري الكبير SEMMELWEIS إلى مقاومة عنيفة من طرف أخصائي التوليد عندما أثبت في بداية القرن التّاسع عشر أنّ الحمّى التي كانت تودي بحياة الوالدات في المستشفيات هي نتيجة العدوى بجراثيم الأطباء الذين كانوا يجهلون كلّ شيء آنذاك عن الجراثيم والتّعقيم وقد مات منسيّا سنة 1865 متأثّرا بالحملة الشّعواء التي شنّها زملاؤه الذين وصفهم بالمجرمين في رسالة شهيرة صدرت سنة 1849 عنوانها "رسالة مفتوحة على أساتذة التّوليد".
ولا يخيّل إلينا أنّ مثل هذه المقاومة هي خاصيّة عصور الظّلام مثلما خيّل لنا أنّ الطب الرّمزي هو من مخلّفات الماضي السّحيق ، فنحن نواجه حاليا معركة لا تقلّ ضراوة عن المعركة التي واجهها VESALE SERVET و SEMMEL WEIS حيث تتصبّ اللّعنات والإحتجاجات هذه المرّة على تجارب تحاول مزج جينات الإنسان بجينات فصائل معيّنة من القردة ربّما لخلق صنف مزدوج من الكائنات (5) ، وذلك في إطار الثّورة البيولوجية التي تعصف حاليا والتي لا نعرف إلى أين ستنتهي ، وبدون الدّخول في عمليّة تقييم معياري لمثل هذه التّجارب فإنّه لا يسعنا إلاّ أن نلاحظ دوام ظاهرة عبر التّاريخ ألا وهي صعوبة تعلغل الأفكار والقيم الجديدة ، مهما كانت قيمتها، وهذا مرتبط بعوامل موضوعيّة لا دخل فيها لإعتبارات علمية محضة فالحقائق الجديدة تنذر بأفول سلطة القيّمين على الحقائق القديمة وببروز سلطة جديدة ، سواء أكانت معنويّة أم مادّية والسّلطة من قديم الزّمان لا تقتسم ولا تترك طواعية ، ومن ثمّة الصّراع الضّروري والمتفاوت الحدّة بين نظريّات ليست مجرّدة في شيء وإنّما مرتبطة بمصالح أشخاص ومؤسّسات وإيديولوجيات كانت ولا تزال وستبقى في تنافس دائم.
5 ـ آخر ظاهرة هامّة في وصف خطوط القوّة لتطوّر الطّب وهي ظاهرة عامّة في تطوّر المعارف ، تصاعد سرعة تراكم المعلومات وتذرّرها وتخصّصها المفرط، فقد قدّر عدد المقالات العلميّة المكتوبة عن مفهوم الكرب (ج) أي الضّغط الذي تمارسه ظروف الحياة على الجسم بـ 5000 مقالة إبّان العشريّة المنصرمة.
وهذه الحركيّة في ميدان النشر صورة للحركيّة في ميدان البحث النّاتجة بدورها عن تصاعد عدد المراكز وعدد الباحثين ، وتزايد الإمكانيات المادية المخصّصة للبحث والأهميّة القصوى التي أصبحنا نوليها له.
لا غرابة أن نشهد انفجارا في كميّة المعلومات وتراكمها وتغي‍ّرها في ظرف وجيز من الزّمن ، فالأغلبيّة الس‍ّاحقة للأدوية الفعّالة مثلا وليدة الثّلاثين سنة المنصرمة وكذلك الكثير من التّقنيات الحديثة التي لا يتجاوز عمرها النّصف قرن وهذه فترة قصيرة إذا ما قارنّاها بالقرون الطّويلة التي شاهدت تطوّرا بطيئا للغاية تصاعدت سرعته في الغرب في بداية القرن التّاسع عشر ثمّ إلى أن اكتسبت هاته الخاصيّة الإنفجاريّة التي نعايشها اليوم .
إلاّ أنّنا لا ندري هل نحن في بداية المرحلة السّريعة للتطوّر أم أن‍ّنا على باب قوسين أو أدنى من الوصول إلى نهايتها لأنّ المفاعلات الإنفجارية في أيّ ميدان تتبّع نفسن القوانين أي : تحضير بطيء ثمّ تطوّر سريع ، ثمّ وصول إلى حالة توازن تنذر بانتهاء التطوّر، وفي بعض الأحيان بالتّراجع فيه . ولا شكّ أنّ مؤرّخو المستقبل هم وحدهم الذين سيردون على هذا السؤال ، بينما نبقى نحن نواجه ترتّبات هذه الظّاهرة ومن أهمّها ضرورة المتابعة اليقظة والتي لا تنتهي بسبب حركيّة علميّة أصبحت تهدّد أكبر العلماء بالتّجهيل لكثرة ما تنتج حتّى في أدق الميادين .
وختاما فإنّ أهميّة معرفة الماضي تكمن في فهم القوى التي تحرّكنا والإتّجاهات التي تدفعنا نحوها.
إذا اقترضنا أنّ ما تعرّضنا إليه يعكس بحقّ القوانين الرئيسية التي تتحكّم في مسار الطبّ فإنّنا نستطيع بشيء من المجازفة تصور أهم ملامح المستقيل .
_____________
(ج) الكرب : Stress

1 ـ سيبقى تصوّرنا للطبّ والطّبيب والمرض نفسه مرتبطا أوثق الإرتباط بالإيديولوجيا السّائدة أيّا كانت .
والإيديولوجيا ليست قاسما مشتركا بين الجميع ، مثلا نحن نعلم أنّ الطّبيب في البلدان العربية الإسلامية، يستقي تصوّره ومفاهيمه وممارسته للمهنة من تصرفات وأفكار وتقاليد يظنّها علمية أي مجرّدة من كلّ انتماء ثقافي ـ حضاري ـ طبقي ، وهو ما لا يقره الواقع إذ هي قبل أن تكون علمية جزء من تراث حضاري ثقافي غربي في حين أن مريضه المنتمي عادة إلى الطبقات الفقيرة متشبّع في تصوّره للمرض والطبّ بمفاهيم وقيم أي ايديولوجيا أخرى ومن ثمّة صعوبة الحوار بينهما وتكوّن كثير من المشاكل النّاجمة عنه.
ونحن بالطبع لا نستطيع أن نتكّهن بمحتوى إيديولوجيا القرون المقبلة إلاّ أنّه من المؤكّد أنّها لن تكون نسخة طبق الأصل لمعتقداتنا وتصوّراتنا ، والجديد في الأمر أنّ الطّب نفسه أصبح جزءا من معادلة التغيير .
إنّ وصول تقنيات أطفال الأنابيب مثلا ، أو زوع الأعضاء ( وربّما غدا نسخ البشر(Clones يؤدّي ضرورة على إدخال تغييرات جذرية لا في التشريع والعادات فحسب بل من يدري .. لربّما في نظرتنا للعالم والإنسان .
2 ـ إنّ أهمّ ما يميّز عصرنا هو انفجار التكنولوجيا وقد رأينا دورها الأساسي في تطوير الطبّ ونحن نستطيع استكناه معالم المستقبل بالإعتماد على كتب الخيال العلمي (د) لا في كونها تعطينا صورة مطابقة للأصل عن المستقبل ولكن في كونها "تفضح" مشاريعنا السرّية وأحلامنا الواعية أو اللأّشعورية لنحت معالم المستقبل. والقراءة الخاطفة لمثل هذه الأدبيات التي تعرف رواجا كثيرا في الغرب تعطي صورة عن طبّ المستقبل كما نشتهيه وكما نعمل على تحقيقه ومن أهمّ معالمه.
• تقدّم مطرّد في معرفة الأسباب الحقيقية للأمراض ممّا سيمكّن من الوقاية منها بفعالية أكثر.
• تقدّم مطرّد في ميدان وسائل التّشخيص حيث يمكن مثلا تصوير أدقّ الأجهزة الفيزيولوجية كالجهاز العصبي وهي بحالة عمل وهو ما لا نستطيعه حاليا حيث لا يوفّر لنا جهاز السكانار مثلا إلاّ صورا "ميّتة" عن الأعضاء وقد بدأت مثل هذه الأجهزة تتواجدبصفة بدائية.
• تقدّم مطّرد في زرع مختلف الأعضاء كالكلية والقلب والكبد ولم لا المخّ يوما ما وقد تكون إمّا بيولوجية الصنع وإمّا اصطناعية.
• تقدّم مطّرد في ميدان الدّواء وخاصّة المصنوع منه بصفة بيولوجية أي بالهندسة الجينية كالهرمونات والتّلاقيح والأضداد.


____________
( د) الخيال العلمي : Science - Fiction لا ننسى أنّ مرحلة الحلم تسبق في ميدان العلم ميدان التّطبيق وأنّ القرن التاسع عشر حلم بالغوّاصة والطائرة الخ قبل أن يحققها القرن العشرين.



كلّ هذا متواجد بصفة ضمنية أو حتّى متطوّرة في تكنولوجيتنا بسرعة متصاعدة خلال الثمانينات .إلاّ أنّ الخيال العلمي يتجاوز بكثير هذه الإنجازات ليحلم بالنسخ الآدمية التي يمكن خلقها إبتداء من الخلايا اللّمفاوية مثلا بإجبار البرانامج الجيني الموجود في كلّ خلية على تجاوز تخصّصه لإعادة صنع إنسان مكتمل من جديد. بالطبع نحن لا ندري هل ستتحقّق كلّ هذه الطّموحات ، المهمّ أنّها موجودة وأن محاولات تحقيقها لن تنتهي طالما بقي الإنسان .
3 ـ إنّ عملية تفكيك الأمراض وإعادة ترصيفها واختفاء بعضها وظهور أخرى في أدبيات الطبّ ستتواصل إمّا لظهور أمراض جديدة واختفاء أمراض أخرى، وإمّا لإعادة النظر في تصنيف الأمراض المتعارف عليها نظرا لإكتشافات تسمح بها التكنولوجيا المستقبلية خاصّة وأنّ تصنيفنا الحالي للأمراض غير مقنع فنحن نجمع الأمراض تارة حسب الجنس (أمراض النّساء) وتارة حسب العمر (أمراض الأطفال) وتارة حسب الجهاز (أمراض القلب) ونسمّي أمراضا نفسية أو نفسية ـ جسدية عددا من الأمراض الغامضة.
كلّ هذا مؤهّل للتّغيير الجذري فالأمراض الشّريانية مثلا واحدة وإن أصابت القلب والدماع أو الأطراف وإنّما الإختلاف في ترجمة الإصابة وهناك على العكس أمراض مختلفة نجمعها تحت راية واحدة مع اختلاف سببها والإشكالية الكبرى في هذا التّصنيف الإصطناعي والمتعدّد المستويات هي جهلنا بالأسباب البيولوجية الأساسية التي ستؤدّي معرفتها على الصّعيد الجيني والكيماوي إلى تصنيف جديد آخر إبّان القرن المقبل .
تبقى ظاهرة تغيّر الأمراض أي انقراض البعض منها كالجدري وظهور أخرى ( عوز المناعة المكتسب ) وتغيّر نسبة انتشار أغلبها. هذه التّغييرات هي الإنعكاس على مستوى الصحّي للتطوّرات الإيديولوجيّة والتكنولوجية للحضارة وإحدى ترتّباتها السّلبية، لأنّ لكلّ حضارة حالة معيّنة من الصحة وأمراض معيّنة، فنحن نعلم اليوم أن انقراض الحضارة الفلاحية وظهور الحضارة الصّناعية أدّى إلى تراجع كبير في الأمراض الجرثومية وسوء التغذية وتزايد دور الحوادث والأمراض الشّريانية والسّرطان، والسؤال هو بالطبع ما هي الأمراض التي ستتولّد عن دخولنا حضارة ما بعد الصّناعة بتكنولوجيتنا الخاصّة (الإعلامية ، الهدسية البيولوجية الخ ...) إنّه من السّذاجة تصوّر عالم بلا مرض ولا بدّ لهذه الحضارة من إفرازات سلبية على مستوى الصحّة قد تكون مثلا ظهور مشاكل نفسية صحيّة ـ اجتماعية متولّدة عن تطويل أمل الحياة إلى ما فوق المائة عام ومشاكل أخرى مرتبطة بالآثار الصّحية السّلبية وتكنولوجيا هذه الحضارة.
4 ـ سيبقى تطوّر المعلومات في الطّب جدليا أي مبنيّا على نقض القديم وتجاوزه ، وسيواجه هذا التطوّر الجدلي بمقاومات متفاوتة الحدّة تصفّى لصالح القديم أو لصالح الجديد، وذاك حسب مستوى المجتمع الثّقافي والتّقني وميزان القوى داخله. معنى هذا أنّه من المحتمل أن توضع العديد من العراقيل القانونية لمواجهة سيل جارف من المعلومات والإكتشافات لها ترتّبات على توازن السّلط داخل المجتمع ، لكن من المستعبد أن تنجح هذه العرقلة في المستقبل أكثر ممّا نجحت في الماضي .
تلك هي إذن بعض من ملامح المستقبل إذا صحّت النظرية بأنّ خطوط القوّة التي لعبت دورا رئيسيا في توجيه الطّب في الماضي هي نفسها التي لا تزال توجّهه نحو مستقبل نعلم أنّّه على صعيد البشرية محفوف بأخطار متعاظمة (الحرب الذّرية ـ المجاعة ـ التلوّث ) ويحمل في طيّاته في نفس الوقت بالتكنولوجية المتطوّرة كلّ آمالنا ، ومن جملتها أملنا في تحسّن معارفنا الطبّية ووسائل تدخّلنا لمنع المرض أو تطويقه.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Jasmine collar




مُساهمةموضوع: رد: تحميل كتاب المدخل الى الطب المندمج المنصف المرزوقي   18/1/2012, 07:09

الدّرس الثّـانـي
وظيفـة الطبّ وتعريفه
يقول ابن سينا في الأرجوزة (14)
الطبّ حفظ صحّة برء من مرض من سبب في بدن منه عرض
ونحن نجد نفس التّعريف بإسهاب عند ابن خلدون في المقدّمة إذ يقول : "الطبّ صناعة " تنظر في بدن الإنسان من حيث يمرض ويصحّ فيحاول صاحبها حفظ الصحة وبرء المرض بالأولوية والأغذية بعد أن يتبيّن المرض الذي يخص كلّ عضو من أعضاء البدن وأسباب تلك الأمراض التي تنشأ عنها ، وما لكلّ مرض من الأدوية مستدلّين على ذلك بأمزجة الأدوية وقواها ، وعلى المرض بالعلامات المؤدّية بنضجه وقبوله الدّواء أولا في السّحنة والفضلات والنّبض محاذين لذلك قوّة الطبيعة فإنّها المدبّرة في حالتي الصحّة والمرض ، وإنّما الطبيب يحاذيها ويعينها بعض الشيء بحسب ما تقتضيه طبيعة المادة والفصل والسنّ ، ويسمّى العلم الجامع لهذا كله علم الطبّ .
إنّ ه1ا التوافق على قدر كبير من الأهمية فابن سينا هنا هو الناق الرسمي بإسم المهنة، وابن خلدون عالم الإجتماع ، المنظّر لمكانة العلوم ودورها في المجتمع وبالتّالي فإنّ الإتفاق بين المهنة والمجتمع على ضرورة إعتبار الطبّ أكثر من مجرّد علاج الأمراض أمر ذو دلالة.
والحقّ أن الطبّ العربي لا يتميّز هنا كثيرا عن الطبّ الإغريقي يتفريقه الجذري بين الصحّة (ورمزها الميثولوجي الآلهة Hygea والطبّ العلاجي ورمزه الإله (Esculape) ، إلاّ أن المثير للإنتباه هو التركيز الدائم على هذه النقطة كما نجده دوما في فكر الرازي وابن سينا وابن الجزّار .
التـيــاران
نحن مواجهون اذن منذ بداية التفكير في دور الطب ومحاولة نحديده مهنيا وإجتماعيا بضرورة قيامه بوظيفتين قد تبدوان متكاملتين ولكنهما في الواقع متباينتين كما يثبت ذلك تطوّر التاريخ .
ومن ثمّة يمكننا وصف تطور الطب بأنّه نهر يصب فيه رافدان التيّار الأوّل العلاجي وهو الغالب والتيّار الثاني الوقائي ولربّما وجب وصفه بالثانوي وقد استعرضنا أهم ملامح تطوّرهما كما يلي :






التيّار الأوّل (12) (4) التيّار الثاني
الإكتشافات النظريى وأهمّ المحطّات التّاريخيــة 13 (10-7-5)


أبو قراط 377 –460 قبل المسيح
أوّل محاولة لربط الأمراض بالأسباب الطبيعية وخاصّة تأثير
المحيط في كتاب (الهواء والماء والأماكن )
أهميّة حفظ الصحّة (القسم الثّاني من الأرجوزة ) باختيار مكان السكن والمأكول والمشروب والنوم وفي ظروف معينة كالسّفر أو حالات معيّنة وتدبير الطفل والشيوخ.
Edward Jenner
أوّل تجريب علمي للتّلقيح نشر سنة 1798 في تاريخه تحت عنوان
An inquiry into the causes and effects of the variole vaccinal

(11) Lemuel Shattuck (1859-1793)

ناشر أمريكي أوّل من نادى في الولايات المتحدّة بضرورة الإحصائيات الصحية ، انتبه إلى دور سلامة البيئة ونشر سنة 1850 تقريرا هاما في تاريخ الصحّة العمومية .
Report of the Manachusetts sanitary Pierre Louis (1872-1787)
طبيب فرنسي أوّل من استعمل الإحصائيات في الطبّ العلاجي مثبتا خلافا لما ادعاه الطبيب الفرنسي الكبير Broussais انعدام دور الفصد في علاج أمراض الرئة.

Edwin Chadwich (1890-1800)

محامي بريطاني من أشهر ما كتب تقريرا تاريخيا بعنوان

Report of an inquiry into the sanitary condition of
The labouring.

أحدث ضجّة كبرى إذ بيّن فيه أنّ الفقر هو سبب المرض ، وأنّ هذا الأخير يعمّق الفقر وأن! الصحّة مرتبطة بالمحيط. الدورةالدموية
ابن نفيس (1288-1210)
Michel Servet (1553-1509 )
William Harvey (1657-1578)
التنفّس
Laurent Lavoisier (1794-1743) التوالد
Lazarro Spallanzani (1799-1729)

الهضم
René Réaaumur (1757-1683)
تأسيس البيولوجيا
Xavier Bichat (1802-1771 )
تأسيس علم الأنسجة
Marcello Malpighi (1694-1628 )
تأسيس علم التشريخ
Battista Morgani (1771-1682)
Rudolf Wirchow (1902-1821) دور الكبد في خزن السكر
Claude Bernard (1855) إكتشاف الجراثيم
Antoine Bechamp (1895-1816)
Pasteur (1895-1822) Robert Koch (1910-1843)
الإنزيمات
Kuhne (1878) إكتشاف الحمّى الصفراء
Reed (1903)

Landsteiner Popper (1909)

الفيتامين
Funk (1912)
الهرمونات
Brown Seggard (1889)
Hardy (1905)
E. Gley (1914)
فصائل الدم
K. Landsteiner (1940-1900)
التيّار الأوّل التيّار الثاني

تطـوّر التقنيات


John Snow (1858-1813)
أوّل من أثبت سنة 1854 مستعملا علم الوبائيات أن الكوليرا مرض معد، عن طريق الماء والأطعمة الملوّثة وأنّه نتيجة كائن حيّ مجهول ومن ثمّة ثبتت لأوّل مرّة أهميّة الماء المشروب للصحّة.
Louis Pasteur (1895-1822) كيمياوي فرنسي كان اكتشافه للجراثيم ودورها في ظهور الأمراض منطلق الأبحاث والتقنيات المستعملة في التلقيح .
Rudolf Virchow (1902- 1821)
طبيب ألماني دافع عن ضرورة اعتبار المرض متعدد الأسباب ومن أهمّها الظروف المادّية ، ومن ثمّة اعتبر أنّ السّياسة الصحّية الفعّالة لا يجب أن تتعامل مع الأمراض فردا فردا وإنّما يسن تدابير سياسية اجتماعية اقتصادية لحفظ صحة المجموعة.
وهو معروف بجملة الّشهيرة : الطبّ علم اجتماعي، والسّياسة طبّ على مستوى عال .

1880 : اكتشاف جرثومة الحمّى التيفية وطفيلي
الملاريا
1882 : جرثومة السّل
1883 : جرثومة الكوليرا
1884 : جرثومة الخناق
1894 : جرثومة الطّاعون
1894 : أوّل لقاح ضدّ الحمّى التيفية
1905 : جرثومة الزهري
1949 : حمة شلل الأطفال
1951 : أول لقاح ضدّ السّل
1952 : أوّل لقاح ضدّ شلل الأطفال

المجهر
ANTON VON LEEUVENHOOK (1723-1632)
Léopold Auenbrugger (1809-1722)
النّقر على الصّدر ـ السمّاعة
Laennec (1819)
قياس الضغط
C.F. Ludwig (1874)
قياس الحرارة
Wundelich ( 1856)
قياس السكّر في الدم
J. Rollo (1797)
Chevreuil (1815)
Claude Bernard (1848)
O. Folin (1905)


التخطيط الكهربائي للقلب
Walter (1887)
Lewis (1912)
التخطيط الكهربائي للمخ
Hansberger (1931)
التشخيص بالأشعة Roengten 1895
استعمال السكانار Hounsfield (1973)



العلاج التدخّلات الوقائيــة

F.W Serteurnen (1806) 1963 : أوّل لقاح ضدّ الحصبى
مشتقاق الأفيون لتهدئة الآلام
استعمال العقاقير : (1843 ) 1964 : أوّل لقاح ضدّ النكاف
الحقن : (1850 )

الكونيين
E. Robiquet (1832) 1966 : أوّل لقاح ضدّ الوردية الوافدة

Vénoral barbiturique
H. Fisher (1902) 1978 : أوّل لقاح ضدّ التهاب الكبد

المبنجات Ether Chorofane
C.W Long (1842)
J.Y. Sinypson (1947) 1987 : أوّل لقاح ضدّ التهاب الكبد مصنوع
بالهندسة البيولوجية
الأسبيرين
C.F. Gerhardt (1853)
H. Kolba (1855)

الكورتيكويد 1905 : تحديد خصائص الماء المشروب في أمريكا
E.C. Kendall
I Reichtern (1948)

الديجيتالين
C. Nativelle (1869) 1913 : إثبات دور تعقيم اللّين
الهيبارين
F.C. Mac Lean (1917) 1941 : فحص PAPA NICOLAU
لاكتشاف بداية سرطان عنق الرّحم
الأنسولين
Banting Best (1921) 1948 : ولادة المنظمة العالمية للصحة

مانعات الحمل
Pincus (1952) 1977 : انقراض الجدري بفضل التّلقيح
Pelletier

الكينين Caventon (1820) 1978 : بيان ألما أتا للمنظمة العالمية للصحة حول ضرورة
السعي إلى تحقيق الصحة للجميع بفضل تظافر الوقاية
والهلاج
السلفاميد
Gerhard Dongk (1935)

البنسلين
Alexandre Fleming –CHAIN
Flory (1940)

أول عملية جراحية بالبنج
Morton (1842)

أوّل عملية جراحية على الجهاز العصبي 1980 : اعتماد منظمة الطقولة لمحاربة وفيات الأطفال مبني على التلقيح
Keen (1865) والتغذية ومحاربة إسهال الرضيع ومراقبة الوزن ومباعدة الولادات
Honley (1888)

أوّل زرع القلب Bernard (1967)
يبرز تأمّل هذه المحطّات التّاريخية الإختلافات الجذرية بين التّيارين .
فالتّيار الأول هو حامل لواء الوظيفة العلاجية أي برء من مرض وبالتّالي فهو يتّوجه للفرد عبر أبحاثه الفيزيزلوجية والسّريرية، وهو يعتمد للقيام بوظيفته هذه على سلسلة من الإكتشافات في ميدان الدواء وسائر تقنيات العلاج الأخرى.ومن الطبيعي أن يتطور بتطوّر التكنولوجيا وأن تكون هذه الأخيرة أهمّ مصادر وجوده ومن الطبيعي كذلك أن يرتكز على المستشفى كنقطة انطلاق وتجمع الرؤيا والأبحاث بما أنه المكان الذي يتكّدس فيه المرض.
أما التّيار الثاني فهو ملتزم بوظيفة "حفظ الصّحة" أي باهتمامات أوسع تتجاوز الفرد المريض لتشمل المحيط الفيزيائي والإجتماعي، مدمجة العوامل الإقتصادية والسّياسية فيه.
وبالتّالي فإنّ الشّغل الشّاغل للتّيار الثاني هو الجماعات البشرية لا الأفراد ، ولفهمها لا بدّ من أدوات نظرية جديدة كالإحصائيات والوبائيات والعلوم الإنسانية ، ومن نافلة القول أن مركز العمل والتّفكير لا يمكن أن يكون المستشفى هنا وإنما أجهزة التفكير والقرار التي تتعامل مع المشاكل الجماعية كالإدارات والجامعة رغم أن نقط الألتقاء بين التّيارين كانت ولا تزال متعدّدة (خاصة في ميدان الأمراض الجرثومية والتّلاقيح ) فإن المتتبّع بدقّة لتاريخهما يكتشف بسرعة أنهما كانا أيضا متنافسين ، وأن نقاشا حادّا دار بينهما حول تقييم نجاعة كليهما.
لنتوقّف عند النقد والتّقييم المتبادل لأنهما يلقيان ضوءا جديدا على وظيفة الطبّ ويمكّنانها من تحديدها بأكثر عمقا.

























تقييم التيار الأول

لا شك أن الطب العلاجي يتمتّع داخل المجتمع بمكانة متميّزة ، فالإيمان بفعاليته ونجاعته من جملة المعتقدات الرّاسخة والمتغلغلة التي تكاد تضاهي المقدّسات.
وخلاصة الأفكار في هذا الميدان الذي يتشارك فيه العامّة والخاصّة وجلّ الأطباء كالآتي :
ـ التطوّر متسارع انفجاري في ميدان المعارف والتقنيات
ـ الفعالية والنجاعة موازية لهذا الإنفجار في التحكّم في الأمراض أو القضاء عليها.
ـ التحسّن الملحوظ في أمل الحياة ونوعيتها داخل المجتمع ناتج عن هذه النجاعة .
ـ التطوّر مرتبط بتكثيف البحث العلمي والتّغطية الطبّية بالأطباء والمستشفيات.
يبقى التّساؤل عن مدى فعالية هذه الإنتصارات وإثبات دورها الحقيقي في التحسّن الملحوظ للصّحة في المجتمعات المتقدّمة ، وكانت هذه المراجعة من نصيب التّيار الثاني .
غانطلاقا من هدفه وموضوع مشاغله (الصحة وحفظها) ومنهجيته العلمية الصّارمة (استعمال الإحصائيات ومستوى تدخّله (الجماعات لا الأفراد) والمدّة الزمنية لمشاهداته (العقود وربّما القرون)، وتفتّحه على العلوم الإجتماعية والإنسانية، يمكننا أن نقول أن هذا التّيار ام ولا يزال بمراجعة صارمة ومحاكمة قاسية للتّيار الأول، إذ وضع الكثير من بديهياته ومسلّماته موضوع الشكّ إن لم نقل إنه كذّبها أو أظهر نسبيّتها ، ويمكن تلخيص هذه المراجعة في النقط التالية :
ـ إن الطبّ العلاجي ليس سبب ارتفاع معدل الحياة وإنما هو جزء من معادلة بالغة التعقيد وهو ليس أهمّها.
ـ إن تطوّر الأمراض انفجارا وانقراضا يخضع لعوامل لا يتحكّم فيها الطب إلا بصفة محتشمة.
ـ إن حفظ الصحة في المجموعات أمر أعقد بكثير من تكثيف عدد الأطباء والمستشفيات.
ـ إن ثمن التغطية الطبية يكلّف المجتمع الكثير، والمردود مشكوك فيه، وتتّضح طبيعة هذه المواقف وأسبابها في الرسوم التالية :

أمل الحياة والدخل القومي






اعتبرنا هنا معدّل أمل الحياة في فرنسا (75 سنة) مقياسا (100) واعتبرنا الدخل القومي الخام 12000 دولار كذلك مقياسا (100) وقارنا بها بلدا متوسطا (تونس) وبلدا فقيرا (بوركينا فاصو).
يبرز هذا الرسم ارتباط معدل أمل الحياة أي عدد السّنوات المأمول إحصائيا عيشها في مجتمع ما بالإنتاج القومي الخامّ أي بثروته المادية. وكأنّ الصّحة ضرورة مظهر من مظاهر أو ترتّب كم نرنّبات الثروة المادية ويكون الإعتراض على ثانوية دور الطب في القول بأن الثروة تؤدّي دورها في تمديد معدّل الحياة عندما تمكّن من نغطية المجتمع بالأطباء والمستشفيات والتكنولوجيا وهو موقف لا يصمد أمام الدرس كما يظهر ذلك الرسم القبل .

مردود قطاع الصحّة في التّنقيص من عدد الوفيات

التّنقيص من عدد الوفيات نسبة الإعتمادات المادية بالدولار









يقرأ هذا الرسم كالتّالي :
إنّ تخصيص 90 % من الإعتمادات المالية المتوفّرة للمجتمع (الأمريكي في هذه الدّراسة) يساهم في تنقيص الوفّيات بنسبة 11 % واعتماد 1,5 % منها لتحسين نمط العيش بالتّربية الصحية، مثلا يساهم في التّخفيض الجملي ب 43 % واعتماد 1,6 % للمحافظة على نقاوة البيئة من التلوث. يساهم في التّخفيض بـ 19 % وأخيرا فإن استغلال 7,9 % من هذه الإعتمادات في البيولوجيا الإنسانية (التنظيم العائلي ـ مراقبة الحمل ) يؤدّي إلى المساهمة بـ 27 % من التخفيض الجملي .
ومن ثمة المفارقة ... إن النّظام الصحّي بطمّ طميمه لا يشكّل إلاّ آخر العوامل المتسبّبة في تخفيض الوفيات وأول ملتهم للإعتمادات المادية مع مردود ضعيف جدّا بالمقارنة إلى ما تستهلكه وتحقّقه سياسة ترتكز على تربية النّاس على العادات الصحية. أو منع تلوث.















تطور سرطان الرئة (1) والمعدة (2)
في الولايات المتّحدة 1930-1980


















نحن هنا أمام ظاهرتين تشكّلان تحدّيا للطبّ العلاجي أي للصّورة التي يحملها عن نفسه وتشاع حوله فنحن نلاحظ انفجارا هائلا في حالات سرطان الرئة (1) وفشل التحكّم في هذا السّرطان بالأدوية والأشعة والجراحة، ومن جهة أخرى انخفاضا هاما لنسبة سرطان المعدة (2) دون أن يكون لنا أي دواء أو تفسير مقنع (أ) لهذا الأمر.
ومن البديهي أننا نواجه هنا القوى الفعالة الخفية والمجهولة التي تتحكّم في ديناميكية الأمراض وأننا مازلنا بعيدين كل البعد عن صورة طب يخضعها هو لعمله وتقنياته.












ــــــــــــــــــــ
(أ) من جملة النّظريات لتفسير الظاهرة ظهور الثّلاجة ممّا مكّن من الحفاظ على الأطعمةوتفادي المواد الكيماوية (النيتريت) التي تفرزها والتي يمكن أن تلعب دورا في ظهور السّرطان.



تطوّر الوفيات بالأمراض الصّدرية (التهاب القصبات ، التهاب الرئة)
في انجلترا













بتّضح من هذا الرسم أن انهيار الأمراض الصدرية المدروسة على مرّ قرابة قرن متقدّم على ظهور الدواء زمنيا ومن ثمة اعتبار الصادات الحيوية سبب تظويق الأمراض الصدرية التنفّسية خطأ والظاهرة عامة أي أننا سنكتشف نفس المفارقة إن نحن درسنا تاريخ تطور الوفيات بالسل أو تاريخ رومتيزم المفاصل الحاد وكأن الدواء لم يكن له أي مفعول يذكر إلا إعطاء دفع خفيف لهذا الإنهيار الذي تسبّبت فيه عوامل أخرى أهم وأكثر تأثيرا.
إنّ ما لا يفوفت علماء الإجتماع والإقتصاد ورجال السياسة تذكيرنا به عن حق هو أنّ الطب العلاجي أصبح اليوم قطاعا اقتصاديا في كل البلدان يشغل مثلا من 5إلى 6 % من ايد العاملة في البلدان المتقدمة ويكلّف المجموعة الوطنية أموالا باهظة تتزايد يوميا ، ويتضح يوما بعد يوم أنها لا تشغّل بصفة محكمة.
فتكاثر المصاريف بما يعنيه هذا من تكاثر الأطباء والمستشفيات والتّقنيات لا يعني بالضرورة خدمات صحية لها مردود فعلي .
إن ما نلاحظه في هذا الرسم هو الإرتفاع المطرّد للنفقات الطبية في بلدين متقدمين كبريطانيا وألمانيا ، وأن تخصيص ألمانيا لضعف ما تخصصه بريطانيا لهذه النقفات لا يعني أنها تتمتع بضعف الإمتيازات الصحية بما أن المؤشرات الرئيسية كنسبة وفيات الأطفال ومعدل أمل الحياة واحدة في كلا البلدين .








نسبة الدّخل القومي المخصّصة للصّحة
(1) انجلترا ألمانيا الفدرالية (2)





















إن ما يسترعى الإنتباه في هذا الرسم هو أهمية الطلبات اللاّتقنية داخل ميدان الطب العلاجي فنصف الذين يعودون طبيبا عاما لا يتطلّبون إلا معونة ذات طابع معنوي ، وهذا أمر على غاية من الخطورة، لأنه يعني أن المجتمع أضاف إلى مهام الطب وأعبائه دورا كان في السابق منوطا بعهدة غيره من المؤسسات الإجتماعية ، إضافة إلى هذا فإننا نلاحظ أهمية الطلبات في الميدان الوقائي (التلقيح خاصة ) والإداري.
ومن نافلة القول أن هذه الحاجيات الثلاث لا تلقى الصدى الذي يتلاءم مع أهميّتها في برامج تكوين الطبيب التي لا زالت تركّز على الصبغة العلاجية التقنية للأمراض العضوية وخاصة النادر منها.


يتبع

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Jasmine collar




مُساهمةموضوع: رد: تحميل كتاب المدخل الى الطب المندمج المنصف المرزوقي   18/1/2012, 07:11

تقييم التيار الثاني

من هذه المراجعة الصارمة لبعض معطيات الطب العلاجي نفهم لماذا يركّز التيار الثاني إذن في أدبياته على الأفكار المحورية التالية :
• ضرورة إقحام العوامل الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والسياسية في تفسير المرض والتعامل معه متجاوزا بهذا التيار الأول الذي أوقف دراسة المرض على نواحيه الكيمياوية والفيزيائية والفيزيولوجية (8 .9).
• ضرورة تركيز العمل الطبي على الصحّة لا على المرض وخاصة على الوقاية لا على العلاج بما أن فعالية الطب العلاجي كما تظهر ذلك الدراسات الوبائية محتشمة خلافا لما يعتقد حتّى داخل الوسط الطبّي عن جهل بالقوى الحقيقية (3 – 6)
• البحث عن النّجاعة الإجتماعية في الطبّ تدريسا : بتغيير أولويات ومناهج تكوين الأطباء، وممارسة بملاقاة الحاجيات الحقيقية للمجتمع وأكثرها معنوية ونفسية ووقائية وبحثا بتطبيق منهجية صارمة أساسها الإحصائيات والوبائيات لمعرفة خطوط القوة الحقيقية لتطور الأمراض وعوامل خطورتها.
ولقد أثارت هذه المواقف التي تطورت في الستينات بصفة ملحوظة في كندا والولايات المتحدة (خلافا للبلدان الأوروبية وخاصة فرنسا التي بقيت وفية وممثلة التيّار الأول) والتي شجعتها المنظمة العالمية للصحة في السبعينات، ردود فعل كثيرة، ويفاجؤ المتتبع للنقاس بعنف الردود والإعتراضات المتبادلة أحيانا بل ويخيل له أنه أمام مدرستين متناحرتين متعاديتين والحقّ أن أمام مؤرخي الطب في المستقبل الكثير من العمل لوصف الخلفيات الـمعقّدة التي أدت إلى هذا الصراع المكشوف أحيانا والمقنّع في أغلب الأوقات، هذه الخلفيات تتمثل في السياسة (بحسب التيار الثاني على اليسار الأول على اليمين ) والمشاكل المهنية (عجز المستشفيات عن استيعاب أفواج الأطباء ومن ثمّة فتح ميادين جديدة كسوق الوقاية) والإقتصادية (هلع الحكومات أمام تصاعد النفقات الصحية واعتقادها بأن الوقاية يمكن أن تحدّ من الأمراض، والشخصية (الصراع بين الأشخاص على السلطة الفكرية) يبقى أن للإعتراضات التي واجه بها التّيار الأول المراجعة كثيرا من الوجاهة ولا بد من التعرّض إليها ، ويمكن تلخيصها كالآتي :
• إن الطب يتعامل دوما مع إنسان محدد لا مع مفهوم إحصائي نظري مجرد ، هذا الإنسان وهو بين يديه كائن معذّب يشكل تلخيصه من آلامه أو نقصه هدفا في حد ذاته ومن ثمة لا يجوزظ منطقيا الإحتجاج كما يفعل التيار الثاني بأولوية الجماعة على الفرد خاصة في ميدان صرف الإعتمادات مثلا . إن القول بأولوية الجماعة على الفرد والوقاية على العلاج لا يفسر لنا كيف يجب أن نتعامل مع المصابين بالقصور الكلويوهم قلة بالقياس للمصابين بالإسهال نتيجة غياب الماء الشروب، هل نتركهم للموت لأن من الأهم اقتصاديا وطبيا وإنسانيا توفير الماء الشّروب للأغلبية بدل إنفاق الإعتمادات الباهظة في جراحة زرع الكلى ، وما يكون موقف أنصار التيار الثاني لو كان أهليهم من بين المصابين ، هل يقبلون التضحية بهم ويقدمونهم قربانا في سبيل النظرية.
فالإشكالية الصعبة التي يتخبّط داخلها المجتمع هو أنه ليس بقادر على مواجهة أعباء العلاج والوقاية في نفس الوقت والحال أنه مطالب بكليهما، وتغليب طرف على الآخر هو كقطع أحد الطرفين السفليين لكي يحصل الطرف الآخر على مزيد من الدم .
• الطبّ العلاجي على علاّته الكثيرة يقدم خدمات لا تقدّر بثمن للأفراد ومن ثمة مكانته المرموقة في المجتمع وتعلّق هذا الأخير به لأصدق شاهد على عمق هذه الحاجة الجماعة.
والإحتجاج عليه الوبائيات التي تظهر قلة نجاعته الفعلية على الصعيد العام، لا يقدّم ولا يؤخر لأن الوبائيات لا تقيس عمق التغييرات التي أحدثها التدخّل على صعيد الأفراد.
• نحن نعمل دوما في إطار مجتمع مختلّ التّوازن من كل النواحي التي من بينها مجال الإهتمام بالصحة. والطبّ هو إحدى الإجابات الإجتماعية للحد من ترتبات هذا الخلل ، أما الصراع من أجل توفير ظروف الصحة فهو صراع من أجل المدينة الفاضلة أي هو عمل ثقافي ـ سياسي اقتصادي على الأمد البعيد المدى ، ويستطيع الطبيب أن يشارك فيه لكن كفرد من أفراد المجتمع لا كممثل لمهنة مهمتها إيحاد الحلول العاجلة لضحايا الخلل البيولوجي أو الإجتماعي المفروض عليه فرضا.
• لاجدال في أن الوبائيات والإحصائيات تظهر يوما بعد يوم صعوبة الحكم على فعالية الأدوية مثلا وتجعل الطب العلاجي يعيد النظر في بعض مسلّماته ويكتشف تعقيد الأمور ، لكن هذا يصدق أيضا على التيار الثاني ، فباستثناء التلقيح الذي استطاع مثلا القضاء على الجدري ، لا يمكن القول بأن للطب الوقائي انتصارات كبرى فما هي مختلف أنواع السرطان بصدد الإنتشار رغم حملا ت التربية الصحية وشتى البرامج الوقائية الأخرى ، ومن ثمة فإن صعوبة التأثير في القوى المنتجة للمرض تجعل الطب العلاجي ضرورة لا اختيارا.
• يحمل التّيار الثاني بذور فكر استبدادي أسماه البعض Healthism أو إيدولوجية الصحّة.
فالحرب مثلا ضد التدخين التي تستند اساسا على الدّرسات الوبائية قد تكون نموذجا لحروب أخرى من نفس المضمار. وسناريو هذه "الحملات الصليبية " معروفة بإسم الصالح العام (الصحة العمومية) نبدأ في سن ّ القانون القمعي تلو القانون القمعي وتتبع المخالفين وتضييق مجال حرّيتهم الشخصية إلى أن يأتي اليوم الذي نستطيع فيه بإسم الصحة إجبار النّاس قانونا على الجري صباحا كيلومترين والإمتناع عن التدخين وتحريم البقلاوة والأطعمة الدّسمة وتغريم متعملي الملح ... إنّ هذا التصور لمجتمع صحي، ليس كاريكاتوريا بالدرجة التي نتصورها فقد عرف التاريخ دوما استعمالات ايدولوجية وسياسية غير متوقّعة للعلم ومن ثمة وجب الجذر .










التصـوّر المنـدمـج

تعلّمنا التّجربة دوما أنه كلّما وجد تياران متباينان علىالصعيد الفكري أو الإيديولوجي أو السياسي) إلا وقامت محاولة في وقت ما للتوفيق بينهما.
والحقّ أن المحاولات كانت متعددة لا لشيء إلا لأن كثيرا من كبار الأطباء كانوا ذا باع في المجالين كأبوقراط وابن سينا، ولربما شكّل Virshow أحسن مثال على هذا التلاقيح فهو من أكبر آباء الصحة العمومية وفي نفس الوقت من أكبر أخصائيّي التّشريح المرضي .
لا نعجب أن نرى أيضا محاولات متعدّدة لتبادل الخبرات والتجارب وحتى التقنيات كتصدير منهجية الوبائيات إلى الطب العلاجي متمثلة في أعمال Jenicek في البلدان الناطقة بالفرنسية و Fenstein في البلدان الناطقة بالإنجليزية لبلورة مادة جديدة سمّيت بالقيس السريري (أ) Clinimétrie . يبقى أن مثل هذه المحاولات لا تسفر عادة إلا عن ظهور تيّار ثالث لا يلبث أن يتهيكل بدوره كطرف مستقل ويزداد تشتّت الطبّ، فمن جهة تيّار فردي تكنولوجي نقطة ارتكازه المستشفى الجامعي ـ بيروقراطي نقطة ارتكازه الإدارات الوطنية والجهوية والجامعية المتتبّعة للتّغييرات الكبرى.
ومن ترتّبات انقسام الطب على طبّين ثم انقسام كل تيّار إلى تخصّصات تفقد بسرعة الترابط بينها فقدان وحدة الطب وحتى شعور الإنتماء إلى نفس العائلة الفكرية ، فالتربية الصحية مثلا اليوم أقرب إلى العلوم النفسية والإجتماعية منها إلى علم المناعة الذي يتشارك مع العلوم الطبيعية في كثير من خصائصها ولا علاقة له البتّة بالتحليل النفسي وقد اكتشب كل فرع وكل اختصاص في الطب استقلالا نظريا وعلميا يجعله علما فائم الذات، لكن الإشكالية الطبية هي أن الإنسان واحد وليس كلّي + كبد + دم + نفس ، أو أن الخدمات المطلوبة ليست إما علاجا وإما وقاية.
قالنظرة التجزيئية التفكيكية للمشاكل لا تولّد إلا تدخّلات مجزّأة مفككة ومن ثمة غير فعّالة، ومن حسن الحظ أن مراجعة التّيارين لبعضهما بعضا قد مكّن من الوعي بثمن هذا التفكّك، لا شك أننا إذا قبلنا التّيار الأوّل كرديف للطب (وهو ما فعلناه إلى حد الآن بصفة مبهمة) فإن تعليمنا سيتكز على دراسة الأمراض من الناحية السريرية والعضوية والفيزولوجية الخ... وأن البحث العلمي سيوجه إلى إكتشاف أصنافها وأسبابها البيولوجية، وأن السياسية الصحية ستتركز أساسا على مقاومتها بتجنيد كل الإمكانيات التكنولوجية التي يوفّرها العلم الحديث، هذا لا يعني أننا لن ننتبه إلى دور المحيط أو إلى الوقاية ولكن إنّ مركز الثقل في فكرنا وعملنا سيكون المرض . أما إذا اعتبرنا التّيار الثاني فإن الأولوية ستنقل لصالح المحيط في تأثيره على الجسم وفي العلاقة بينهما وستصبح المهمة الحفاظ على ما لم يفقد وصيانته ، وستتوجّه الأبحاث العلمية نحو كل العوامل الإجتماعية والإقتصادية والثقافية بجانب العوامل البيولوجية التي يجب تحريكها، لكي يصبح المحيط أقل تهديدا للإنسان ، والجسم أكثر مناعة تجاهه إلى جانب التمكّن من استغلاله المحكم.
أما في ميدان العمل فسنعطي أهمية أكبر لكلّ الوسائل والتقنيات التي يجب تجنيدها لا لتطويق المرض وإنما لمنع وقوعه وهو ما سيودّي بنا حتما إلى مراجعة سلّم الأولويات وقد حاولنا في الجدول التالي أن نعطي فكرة عن التّرتبات لكلا التّوجهين .




ترتّبات التوجّهين

التيّار الثاني التيّار الأوّل
التركيز على :
التفسير البيولوجي
الإجتماعي ـ الإقتصادي ـ الثقافي
تقنيات الحفاظ على الصحة (الوقاية الطبية)
تقنيات تنمية الصحة (دور العوامل اللاّطبية) جرد للأمراض البدنية والنفسية
التفسير البيولوجي
تقنيات محاربة الأمراض (العلاج )

التّدريس
. الإهتمام بالأمراض الجماعية الكثيرة الإنتشار
. الإهتمام بالأسباب البيولوجية والإجتماعية
والثقافية والنفسية وترابطها .
. التركيز على التقنيات المنهجية كالإحصائيات
وعلم الوبائيات.
. التوجّه إلى العلوم الطبيعية والإنسانية . الإهتمام بأمراض الفرد وخاصة المعقذدة والنادرة
. الإهتمام بالأسباب البيولوجية
. الأهتمام بالتكنولوجيا
. التوجّه إلى العلوم الطبيعية

البحث العلمي
.........................................
..........................................
التّركيز على البرامج الوقائية
التّركيز على الوجدات الصحية الأساسية
الخفيفة توفير ظروف العلاج الفردي
مستشفيات
تكنولوجيا
السياسية الصحية
مسؤول يجب إدماجه كفرد وفي إطار الجماعة
للمحافظة على صحته بالتّوعية والمشاركة ضحية حادث ـ قاصر ينفّذ الأوامر وضعية المريض
............................................
. مسؤول عن الحفاظ على الصحة وتنميتها في
نطاق عمل مشترك مع أخصائيين من خارج
الميدان الطبّي.
. مربي ومرشد إجتماعي
تقني سامي يصلح عطبا في آلة داخل وحدات مـختصة وضعية الطبيب






الإشكالية المطروحة ، كيف يمكن تجاوز التّشتت والتّفكك وإعادة وحدة الطب على الصعيد النّظري على الأقل ... أملا في أن يتبع ذلك هيكلة أخرى للتّدريس وربما في وقت لاحق إعادة النظر في تنظيم الخدمات الصحية. يتطلّب منّا هذا في البداية العودة إلى تعريف مهمى الطب.
في زاد المسافر تقرأ لابن الجزار الدوافع لتأليفه، " إلاّ أنّي رأيت كثيرا من الفقراء وأهل المسكنة يعجزون عن إدراك منافع ذلك الكتاب وغيره من سائر الكتب التي ألفها الحكماء في حفظ الصحة للأصحاء ورد المريض إلى الصحة لفقرهم وقلة طاقتهم الخ...".
لنلاحظ الإختلاف الهام بين هذا وتعريف ابن سينا (حفظ الصحة وبرء مرض ) فمن جهة وقع التّاكيد على أن حفظ الصحة مسألة تهم الأصحاء أي الجماعة ككل ولا تتعامل مثل ماتوحي به الأرجوزة مع فرد مهدد ، ومن جهة أخرى وهذا بيت القصيد يتحدث طبيب القيروان الكبير عن ردّ الصحة لا عن برء مرض فلا مكان إذن في فكر ابن الجزار لمفهومين متضادين الصحة والمرض ينبع كليهما تيّار وإنّما مركز الصّدارة مفهوم واحد لا غير هو الصحة.
والإختلاف بين ابن سينا وابن الجزّار ليس ثانويا كما قد يخيّل بل هو اختلاف مركزي وجوهري . فلمحورة الفكر الطبّي حول مفهوم الصحة لا حول مفهوم المرض أو حول مفهومين متضادين ترتّبات هامّة على الصعيد الفكري والعلمي كما سيتّضح ذلك في بقية فصول الكتاب . يكفي أن نقول هنا أن أي نظرية مندمجة لا يمكن أن تنطلق إلا من مفهوم الصحة لأنه أوسع وأعم وأشمل من مفهوم المرض الذي ليس إلا حالة من حالات الصحة.
لنعتبراذن تعريف ابن الجزار ولنحاول تطويره اعتمادا على كل ما اكتسبناه من تجربة طوال هذه القرون.
• من البديهي أنّ للصحّة شروطا موضوعية تتعهّدها وتنمّيها .
• ومن البديهي كذلك أن هنالك عوامل متعدّدة تهدّدها على صعيد الجماعات.
• ومن الواضح كذلك أن غيابها يؤدي إلى مرض الأفراد
إذن نحن مطالبون بالتعامل مع الإشكالية على مستويات ثلاث .
• حقا للصحة ظروف موضوعية ركّز على أهميتها التّيار الثاني ، لكن القول بأن الطب قادر على التأثير عليها مثلما تدعو إليه أدبيات تههّد الصحة Health Promotion المنتشرة حاليا لي أمريكا وكندا، رأي لا يصمد أمام الواقع ، فالطب عاجز كطبّ عن التدخّل في قوى الإنتاج المادي والمعنوي والتنظيمي مثلما هو عاجز عن فرض التوزيع العادل للخيرات الجماعية . فتوفير الظروف الموضوعية للصجة ، قضية تقوت إمكانياته ، وتتجاوز صلاحياته، أضف إلى هذا أنه من السّذاجة أن نتصور ظروفا موضوعية لا تنتج مرضا إذن لكل حضارة أمراضها، أو أن نتصوّر أن الصحة هي ضرورة المثل الأعلى في المجتمع فليس كل الناس مستعدون للتضحية من أجلها بحبّ المغامرة أو بالبحث عن اللذّة، أو حتى بتعريض حياتهم للخطر من أجل أهداف مختلفة.
إن كان تعهّد الصّحة من مشمولات المعارف والتّقنيات الإجتماعية الأخرى فإن حفظها وردّها كما يقول ابن الجزّار هو مهمّة الطبّ الأساسية.
فالمهمّة الأولى منطقيا ليست برء مرض وإنما حفظ الصحّة ، خاصة وأن تطور معارفنا الوبائية وتقنيات التّدخل (البرنامج الوقائي ) تمكّننا اليوم من تحديد الجماعات الأكثر تعرّضا للأمراض ومن تطويق مضاعفات هذه الأخطار.



المهام مستويات التدخّل تقييم دور الطب

جماعات بشرية

ـ برنامج جيني سليم
ـ غذاء متوازن كاف هامشي ـ متواضع
تعهّد الصحة ـ ماء شروب
ـ محيط نقي لأن القوى المؤثرة اقتصادية سياسية،
ـ سكن موفيبالحاجيات اجتماعيةوالدور الوحيد للطب هو
ـ تعليم تغذية المجتمع بالمعلومات عن المرتبات
ـ عمل الطبية للنقص في هذه الظروف
ـ علاقات بشرية
ـ ترفيه ـ تثقيف

نقص /أو خلل

هام
حفظ الصحة شرائح قليلة شرائح اجتماعية . اكتشاف المجموعات
التعرض للخطورة معرضة للخطورة المعرضة للخطورة
التدخل بالبرامج الوقائية
ـ تلقيح
ـ تربية
ـ اكتشاف الأمراض في
بدايتها


لا يعوّض
ردّ الصحة أمراض الأفراد . تدخل تقني متفاوت التعقيد
لردّ الصحة أو تطويق
مضاعفات المرض  أو توفير
سند معنوي
استعادة الصحة نقص ـ إعاقة
وفاة
* في حالة فشل العمل على صعيد المستويين يكون التّدخل التقني على صعيد الأفراد لردّ الصحة إليهم ، وقد يكون هذا التدخل غير مرتبط بالعوامل العامة لأن المرض حدث طارىء خاص بالفرد، كالتهاب الزائدة الدودية أو الكسر الناجم عن السقوط في الطريق .
معنى هذا أن على النظرة الشمولية أن تتجاوز التّقسيم السّطحي : علاج ـ وقاية لتتمحور حول إشكالية واحدة هي مستوى التّدخل لكي يتمتّع الجماعات والأفراد بالصّحة فيكون التساؤل أمام الإشكالية الصحية هكذا. :
• هل هو مستوى التعهّد ؟ وما هي إمكانيات الطبّ للردّ على الإشكالية ؟ وقلنا إنها متواضعة.
• هل هو مستوى الحفظ ؟ وما هي المعارف والتقنيات التي يجب تجنيدها ؟
• هل هو مستوى الردّ ، وكيف يكون ذلك ؟
والطبيب المندمج أي الفعّال لا يفصل بين هذه المستويات ولا يضع بينها حدودا وقمارك وإنما يمرّ بسهولة من مستوى إلى آخر، فإسهال الرضيع بالنسبة إليه حادث عارض يعالج في مستوى الردّ بمختلف الوسائل ومؤشر على خلل في مستوى التّعهد (نقص الماء الشّروب في الأحياء الفقيرة) ومن ثمّة يتطلب تدخّلا اجتماعيا لمحاولات تلافي هذا النقص ، وأخيرا وليس آخرا وفي حالة استحالة تغيير هذا المعطى الإقتصادي والسياسي وهو الأمر المعهود ... يكون التّدخل على مستوى الحفظ بتقينات تختلف عن تقنيات الردّ ، ويتوجّه بها هذه المرّة إلى الجماعات من المعرّضين لتفادي ظهور الإسهال ومن ثمّة تعريفنا للطبّ
" هو جملة المعارف عن دور عوامل تعهّد الصّحة وجملة المعلومات والتّقنيات الرّامية إلى حفظها عند الجماعات البشرية المعرّضة للأمراض الناتجة عن خلل أو نقص في ظروفها وأسبابها الموضوعية وهو أيضا جملة المعلومات والتّقنيات الطامحة إلى ردّها أو تطويق مضاعفات فقدانها عند الأفراد.




















المراجـــع

Dubos, René. Mirage de la Santé. Denoel Paris. 1961 1

New York. Praeger publihser Inc. 1968 2

Mchkeown, Thomas. The role of medicine. The Nuffield Provincial 3

Fondation. Londres 1976.

Michkeown, Thomas et al. Medical History and Medical Care. A symposium 4

of perspectives. Oxford University Press 1971.

Hobson, W. World Health and History; Baltimore 1963 5

The Williams X Wilkins CO.

Lewis R.A. : Edwin Chadwich and the Public Health Mouvement 1923-1854 6

Clifton N.J. 1970 Angustris M. Kelley publishers.

O. Brien, H.R. : Pitry years in public Health . camphill P.a. 1967. Hevy R. O. Brien 7

Ravenel M.P. : Half Century of Public Health . N. y 1970. Arno Press 8
Rogens F.B : Man and his changing environnement Historical prespectives 9

Am - j - public health 51. : 1637 –1961

Rosen C.A History of public : Health Ny 1958 M.D publications Inc. 10

Shattuck L. . : Report of the sanitary commission of manachusettes 1850 11

NY. 1948 cambridga University press.

Sigerist H.E. History of medicine 2 vol London 1951- 1961 12

Oxford University Press.

Warn H. : A History of Preventive Medicine , springfreld 14. 1970 13

Charles Thomas, publisher.

ومن مؤلفات ابن سينا الطبية ـ الأرجوزة في الطب
دراسة وتحقيق محمد زهير البابا ـ منشورات جامعة حلب 1984.


الدرس الثالث
الخلفيات النظرية في الطّب

لنتصوّر الحالة السريرية للمريض أ ـ ب كما يقدّمها طبيب متمرّن لأستاذه في قسم داخل أي مستشفى جامعي عادي .
المنظر : المريض ملقى على فراشه ووقوفا عند رأسه الطّبيب المتربص ورئيس القسم وجملة من الطلبة والممرّضات يتناقشون فيما بينهم أن يعيره أحد أدنى اهتمام.
" السيد أ ـ مريض في الخمسين ، عامل متزوج وله 10 أطفال بدون سوابق مرضية. يظهر الإستجواب أن الأعراض بدأت منذ سنة بالضبط واتّسمت في البداية بظهور سعال جاف مؤلم في إطار نوبات مصحوبة بدم أحمر قان قليل الكمّية ، ومنذ ثلاثة أشهر ازدادت النوبات حدة ، وظهرت كمية قليلة من الدّم في البول مع نحول شديد وشعور متزايد بالإرهاق . وقد أدّت هذه الأعراض إلى دخوله القسم المختص حيث وقع الكشف عليه سريريا. وقد لاحظنا بجانب الهزال الشديد ، عدم وجود أي عرض جسماني واضح باستثناء تضخّم في الطحال، فليس هناك أية إصابة جلدية ولا قلبية ولا هضمية ولا تناسلية ولا مفصلية ولا عصبية عند المريض .
أما الأشعّة فقد أظهرت وجود صورة كهفية في القسم الأعلى من الرئة اليسرى، وه1ا ما حدا بنا إلى القيام بغسل للقصبات الهوائية مع طلب المخبر بالبحث عن جرثومة كوخ ، وقد كانت المعاينة بالمجهر إيجابية ، كما أدى فحص الكليتين بالأشعة على اتضاح إصابتها أيضا على حدّ السوا ونعتقد أن الطحال الذي لاحظنا تضخّمه سريريا مصاب هو الآخر . وقد بدأنا العلاج بالمضادّات الحيوية للسل بالكميات المعهودة ولمدّة لن تقل عن سنة ونصف نظرا لتعدد الإصابات .
المهم في هذا التقديم ليس مناقشة دقة التشخيص عند المتربص بقدر ما هو إظهار ارتباط تفكيره الذي يظنّه عليما بعقلية ، لها جذورها الفكرية والحضارية في فلسفة الغرب ونظرته للعالم.
ـ نلاحظ أن الطبيب المتربص يقوم بجرد لأهم الأعراض السريرية والراديوغرافية، محاولا أن يكون أمينا في وصفها ودقيقا إلى أبعد حدّ ممكن ، فهو لا يتدخّل في البداية في تفسيرها أو التّعليق عليها وإنّما يكتفي بنقلها كما هي منفّذا في هذا بدون وعي إحدى القواعد الرئيسية في العقلية القديمة والتي عبّر عنها Charles Nicolle بقوله : "إن على فكر الطبيب أن يكون مرآة لا تشوبها شائبة تنعكس عليها الأمور المجردة".
Un pur miroir lisse et propre sur lequel se mirent les faits bruts.
والمقولة تعكس هنا بوضوح إحدى أهم المطامح في الفكر الغربي ألا وهي الموضوعية (6). فالمراقب هنا خلافا للغلطة المنهجية الكبرى التي يعزوها لمن سبق ، لا يريد أن يصبغ الظّواهر بألوان من عنده كالشهوات والمخاوف حتى لا تختفي عنه حقيقتها.
فالطبيب تجاه الإنسان شأنه في هذا شأن الكيميائي والفيزيائي تجاه الجماد ، وعالم الطبيعيات تجاه النبات والحيوان ، مطالب (على الأقل في هذه المرحلة) أن يكون مجرّد مرآة تنعكس عليها الحقيقة المجردة كما يقول نيكون .
ـ نلاحظ أن فكر المتربص يعمل لا شعوريا وفق النّموذج الديكارتي للجسم الآلة (9)، فنحن نعرف أن الفيلسوف الفرنسي Descartes 1596-1650 الذي لعب دورا رئيسيا في إرساء الفكر العقلاني المعاصر ، أشاع داخل الحضارة الغربية مفاهيما أصبحت من دعائمه ومن أهمّها القول بأن العالم مكوّن من مادة واحدة (أ)، وأن شتّى المظاهر في علوم الفلك أو الكيمياء أو الفيزياء تخضع لنفس القوانين ، أما الجسم البشري فهو ليس أكثر من آلة لكنها بالغة التعقيد وكان يتصوّره كتشكيلة معقدة من الأجهزة الميكانيكية تربط بينها قنوات وأسلاك ، وقد كان الشّغل الشاغل لديكارت أن يطرد من هذا الجسم كلّ ما يمكن أن يذكّر بقوّة غيبية تسكنه مثلما كان الشّغل الشاغل لـ Gallilée 1564-1642 طرد نفس هذه القوة من الدّورة الفلكية وقد أدى به هذا التّعصب المضاد إلى رفض نظرية هارفي في الدورة الدموية لا لشيء إلا لأنها كانت تفترض وجود قدرة (أي النبضات الكهربائية المجهولة آنذاك) في القلب تفسّر ضخ الدم في الشرايين . وقد استشرى النموذج وأصبح من البديهيات فطبيبنا المتربص يبحث عن العطب الحاصل في شتى أجزاء الآلة من كبد وطحال وكليتين ورئتين ومفاصل الخ ... وهو بهذا يتّبع إحدى القواعد الهامة في المنهجية الديكارتية ألا وهي أن معرفة الكل تمرّ بمعرفة الأجزاء جزءا جزءا وهذا ما يفعله الميكانيكي عندما يريد إصلاح عطب في محرك إذ لا بد من فصل هذا الأخير إلى مختلف أجزائه وفحصها ثم إعادة تركيبها ، والفارق أن الطبيب لا يستطيع هنا وضع الطحال والكبد والأمعاء على الطاولة أن يعد تركيبها لكنّه يقوم بالعملية دخل فكره.
* يعتبر المتربص أن سبب التخريب اللاحق بالأنسجة ـ ومن ثمة فإن سبب المرض (هنا السل) ـ هو تواجد جرثومة كوخ داخل الجسم وهو ما عطّب قنوات الآلة (القصبات الهوائية والمجاري البولية ) وقطعة من المحرك (الطحال). ويؤكد المخبر هذه القناعة بما أنه يكتشف ما كان الطبيب يبحث عنه ألا وهو السبب الطبيعي (9) . ومتربصنا وهو في هذا السياق من التفكير "العلمي" غير واع بأنه لا يفعل بهذا التقرير غنر الإنتصار لفريق في معركة عقائدية سبقت ولادته بقرون فهو بموقفه هذا مع القائلين بأن المرض ليس نتيجة إصابة ابتلتنا بنها قوة غيبية لتمتحننا أو لتعاقبنا وإنما مع القائلين بأن وراء الظواهر أسباب موضوعية لا غير أي أنّه مع Giordani و Gallilée و Descartes و Bruno,Bacon
ضد أتباع أرسطو وكهنوت الكنيسة الكاثوليكية والسلطات السياسية التي كانت تحمي التراث المقدس ضد كل ثورة فكرية قد تكون لها ترتّبات سياسية.
فطبيبنا المتربص لا يدرك إذن أن السببية كالميكانيكية مرتبطة أساسا بإدارة إيدولوجية لإفراغ السماء من القوة الإلهية التي لا يفترض أنها تستطيع أن تفعل ما تشاء، أينما تشاء ، وفي أي وقت تشاء. وهذا البعد المادي الالحادي واضح في قول الفيزيائي الكبير Laplace.
"ويجب أن نعتبر حالة العالم الراهنة ، كنتيجة لحالة متقدّمة عليه وكسبب لما سيتبع. فلو كان هناك فكر قادر ولو للحظة واحدة على معرفة كل القوى التي تحرك الطبيعة والكان النسبي لكل الكائنات التي تشكّلها ، ولو كان بالإمكان إخضاع كل هذه المعلومات للتّحليل ، لاستطاع أن يعرف كل الحركات من أضخم الأجسام في الكون إلى أصغر ذرّة فيه، ولما بقي هناك سرّ ماثل أمام العينين سواء أكان ذلك يخص الماضي أم المستقبل".
والمقصود من هذا الكلام أمران :
ـ إن وراء كل متحرك سبب يحركه
ـ إنه لا دخل في هذا التحريك لأي قوة غيبية تستطيع أن تغيّر عمل هذه الحركة الجماعية التي هي النتيجة للتأثير المتبادل بين مختلف قطع تشبه عمل مختلف قطع ساعة دقيقة.
-----------------
أ ـ نذكر بأن Descartes يعتبر العالم مكوّنا من فكر (الحركة) ومادّة (الإمتداد) ومن ثمة مقولته الشّهيرة " أعطني حركة وامتدادا أصنع لك العالم",
من البديهي أن متربصنا هذا ليس الفكر الذي يحلم به Laplace والقادر على استيعاب كل الأسباب وكل التّرتبات ، وإنما هو فكر متواضع مكتف بفهم السبب البسيط (جرثومة كوخ) المتقدّم على النتيجة المعقّدة (إصابة الطحال والرئتين والكليتين ).
فالنظرة العلمية بغير حاجة حسب المقولة الإيدولوجية لفهم ترابط كل الأسباب وترتّباتها وإلاّ استحال الكلام بقدر ما هي بحاجة إلى عزل السبب الموجود وراء كل نتيجة وهو عادة واحد.
* لا جدال أن جرثومة كوخ هذه لم تدخل الجسم بإيعاز من القوّة الغيبية ولا تضمر شرّا لمريضنا ولا تتحرك وفق مخطط تآمري ، وإنّما هي حبّة الرّمل التي ذرّتها الرّياح فعطلّت عمل الجسم أي عمل الساعى المحكومة بقوانين الميكانيكيا فوراء المرض كوراء شتّى مظاهر الكون الأخرى نجد الثنائي (الذي تعهد إليه الإيديولوجيا الجديدة بخلافة اللـه) أي الصّدفة والضرورة (8) فالنظرة الإيديولوجية لا تركّز على السبببيّة الميكانيكية إلاّ لتوالي إفراغ الكون وشتّى مظاهره من أي إرادة خارجية ، فكل تصرف لا ينبع فقط من عدم وجود أي إرادة غيبية تدفع من الخلف، ولكن أيضا من عدم وجود أي إرادة داخلية في الشيء تدفعه من تلقاء نفسه نحو غاياته إلى الأمام. انظر تطبيق هذه النظرية في ميدان علم النفس وبالخصوص نظرية وطسون Le Behaviorisme والتي تعتبر حسب منهجية لابلاص في الفيزياء أنه لو عرفنا كل القوى والتأثيرات التي تتحكم في "النفس " لأمكننا دوما التنبؤ الصحيح بكل ما سيقوم به أي فرد في أي ظرف ، لذلك كان هاجس علما الببولوجيا في القرن التاسع عشر وبداية العشرين التعرض بكل شدة لكل ما يمكن أن يشتمّ منه أن هناك غايات في الطبيعة كرفع مستوى الفعالية أو التعقيد الخ ... وكان الثنائي الصدفة والضرورة هما مفتاح كل تفسير .
لنعد إلى متربصنا لنلاحظ أن لرفضه الضمني أن تكون للجرثومة غاية عدوانية ونوايا مبيتة، ترتّب آخر ، وهو أنه ليس للمريض أي دور أو مسؤولية في حدوث مرضه، وأنه ليس لغاياته وأهدافه أي أهمية بما أن دوره سيتوقف على قبول التغيير الذي سيحدثه الطبيب من الخارج عندما يصف له المضادات الحيوية.
لنحوصل في هذا الجدول أهم الفرضيات الإيديولوجية التي يرتكز عليها لا شعوريا الطب التقني الغربي ، مع مقارنتها بالفرضيات الإيديولوجية المتقدمة عليها أي مقولات الفلسفة الإغريقية المتمثلة أساسا في أفلاطون وأرسطو بعد جمعها وإدماجها في قالب المسيحية الكاثوليكيّة.

الايديولوجيا الجديدة الايديولوجيا القديمة
اللاغائية
السببية الميكانيكيـة
الموضوعية
التحليليـة تغلب عليها الغائية (ب)
السببية مع عدم التنكر لإمكانية
الخوارق والمعجزات الذاتية
الشموليّـة


---------------
ب ) الغائبة Finalisme
Finalism

لنركّز على أهمية "تغلب عليها " لأنّه من السّذاجة أن نتصور أن الإيديولوجيا العلمانية محت كل تأثير للايديولوجيا الدينية أو أن هذه الأخيرة لم تكن تعرف بعض القواعد للتفكير " الجديد" يكفي أن نتصور أن نيوتن صاحب القوانين الميكانيكية في الفيزياء كان مؤمنا بالتّنجيم ، وأن ديكارت صاحب نظرية الجسم ـ الآلة كان مؤمنا بالروح بل عارفا لمكانها بالضبط في المخ ، لنقدّر صعوبة الفصل بين عوامل متداخلة، إلا أنه من الواضح أن الإيديولوجيا العلمانية ترسبّت على مر القرون الثلاث الأخيرة وتناست تناقضات أصحابها الأولى لتصبح جزءا من المسلّمات بل من المقدّسات التي يثير التطاول عليها ما كان يثيره التطاول على المقدّسات القديمة من ردّة فعل ، وكما لم تقف الأحداث خاشعة عند سابقتها فإنها اليوم لا تقف خاشعة أمامها وهو ما أدّى ويؤدّي يوما بعد يوم إلى مراجعة الأسس النظرية ، هذه المراجعة التي قد تدفع يوما بمتربص القرن الواحد والعشرين إلى تقديم نفس الحالة لأستاذه بلغة ورؤيا مختلفتين تماما عن ذي قبل مثلا .
السيد أ .... (يضع يده على كتف المريض يتلطّف) المريض عامل يومي، لا يؤمن بالتنظيم العائلي (ضحك) حيث له 10 أطفال، يقطن في حي التضامن في منزل يتوفر على الماء الصالح للشراب، وغرفتين صغيرتين ومرحاض غير موصل بقنوات التظهير ، والمنزل غير مدفأ، فهو نازح من قرية العوفير. انقطع عن التعليم الإبتدائي . ودخله الشهري لا يتجاوز 150 دينارا، يعمل في حضائر البناء وقد قضى كامل الشتاء الماضي بإحداها وتتلخص ظروف عيشه في النوم على الأرض المبتلة، وفي انعدام التدفئة إلا بالكانون ، وفي استهلاك اللحم مرة واحدة في الأسبوع . وقد بدأ السيد أ يشعر بتوعك في صحته منذ سنة إلا أنه فضّل مواصلة العمل لأنه ليس له مورد رزق آخر لعائلته.
وقد بدأت الأعراض بظهور سعال جاف مؤلم في إطار نوبات مصحوبة بدم أحمر قان. والجدير بالذكر أن السيد أ بعد الإنتهاء من إتمام المنزل الذي كان يشتغل فيه، بقي ثلاثة أشهر عاطلا عن العمل، ونظرا لتوعك صحته فقد بقي طوال الوقت بمنزله ، وهو ما حدا بنا إلى استدعاء كافة أفراد العائلة للقيام بفحص شامل عليهم ، وقد أدى إلى اكتشاف إصابة الإبن الأكبر وعمره 15 سنة وخلوّ بقية العائلة من ذلك رغم ظهور الحساسية ضد عصيّة كوخ عند أربع وفي غياب التلقيح إلا عند أصغر الأبناء الثلاث، أما العمال الذين عاشرهم إبان ظهور النوبات فإنه لم يمكن للإدارة الجهوية للصحة العثور عليهم، والفضل في اكتشاف المرض يرجع إلى السيدة أ التي حثّت زوجها على استشارة الطبيب لأنه كما تقول لا يحب الأطباء والمستشفيات (ضحك).
• تتدخل الزوجة هنا لتشرح مطولا نفور السيد أ من الأطباء والأدوية، ويضيف المتربص بكل اهتمام كل هذه المعلومات الجديدة إلى ملف المريض تحت فصل : تصوّرات المريض وعلاقته بالجهاز الصحي .
• يتدخّل الأستاذ للتعليق على هذا النفور مازجا .
• يأخذ الطّبيب المتربّص في وصف دقيق للأعراض وعرض الصور الرّاديوغرافية ونتائج المخبر منتهيا إلى التشخصي أي الإصابة بمرض السّل وبداية العلاج .
• يعلّق الأستاذ على الصور ويدخل في نقاش مع المريض وزوجته والمرشدة الإجتماعية حول ظروف الحياة الصعبة ثم يعطي بسطة ن مرض السّل، ويظهر الإصابة على الصورة محاولا تقديم الأمور بمنتهى التبسيط ، ثم يعلم المريض بأن هدف هذه المقابلة التي ستتلوها مقابلات أخرى دورية هو وضع خطة متكاملة بالتعاون معه ومع الزوجة والمرشدة الإجتماعية والمتربص للقضاء على هذا المرض وتشتمل المقابلة أساسا على :
• 1 ـ نقاش مع المرشدة حول إمكانيات التشغيل والسّكن الإجتماعي يتّضح منها أن الأزمة الإقتصادية وتفشي البطالة تجعل من المستحيل الحصول على عمل آخر ، لكنه من الممكن التدخل لدى قسم الشؤون الإجتماعية لإعطاء الأولوية لسيد أ للحصول على سكن فيه أربع غرف ومرتبط بقنوات التّطهير ، كما أنه من الممكن إبّان فترة نقاهة السيد أ الحصول على منحة مادية صغيرة ، إضافة إلى العمل على التعجيل بصرف منحة صندوق الضمان الإجتماعي ، ويتقرربعدها أن يبقى السيد والسيدة أ على اتصال مبرمج بالمرشدة.
• 2 ـ تفسير العلاج للمريض بالتفصيل ونقاش معه حول مشاكل تعاطي الدواء لمدة شهور وضرورة هذا الإنتظام . ويقع الإتفاق معه على اغتنام فرصة وجوده في المستشفى لمدة أسبوعين آخرين لحضور حلقات النقاش والتربية الصحية التي يديرها المتربض أيام الأربعاء والجمعة بعد الظهر مع مرضى آخرين ، ويدور النقاش حول : السّل وتطوره بالأدوية وبدونه ، وبالعلاج المتقطع وهي الحصص المخصصة للرد على كل الأسءلة العالقة بذهن المرضى.
• ـ نقاش مع الزوجة حول دورها المؤثر والكبير في تذكير المريض بمواعيده مع طبيب المراقبة الدورية ، وبعهد إليها بضبطها وبتشجيع زوجها على تعاطي الدواء المنتظم.
• ـ نقاش حول العدوى التي أصيب بها الإبن وضرورة التركيز على نفس القواعد وهوما سيكون موضوع مقابلة أخرى يمكن أن يحضرها الأب.
• ـ نقاش مع المرشدة الإجتماعية حول ضرورة توفّر الأدوية وكيف يمكن الإستنجاد بها في كل وقت من طرف المريض أو زوجته (تعطي المرشدة كل المعلومات للإتصال بها بسرعة.
• ـ نصائح عامّة يوجّهها الأستاذ في خصوص تهوية المنزل والنظافة والتّلقيح... وتنتهي المقابلة بطمأنة المريض بأنه سيعافى بدون آثار هو وابنه، ودعوته إلى إعانة الأطباء في شفائه(رغم نفوره منهم) والتأكيد على ضرورة تفادي القلق ، ثم تبرمج مواعيد مضبوطة للمعلومات التي تلقاها ثم تترك للمتربص حرية اختيار المراقب ( ويلح هنا المريض على أنه يتمنى أن لا يغيّر طبيبه) ويطمئنه رئيس القسم ضاحكاعلى أن أن استعمال السبّبية ـ الذاتية ـ الموضوعية ـ الشمولية الغائبة الخ ... قد أجبر الإدارة على اعتبار هذه الرغبة والأخذ بها .


يتبع

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Jasmine collar




مُساهمةموضوع: رد: تحميل كتاب المدخل الى الطب المندمج المنصف المرزوقي   18/1/2012, 07:13


الأسس الفكرية للطب المندمج

لمذا نستطيع أن نقدّم مريضنا بهاته الكيفية وهي الأصوب ؟
ما الذي يجعلنا نغيّر أسسنا النظرية التي نبني عليها قناعاتنا ؟
هذا التغيير البطيء والصعب الذي يكلف دوما عناء كبيرا. والرد أننا نكره علىهذا إكراها عندما نكتشف أن المفتاح لم يعد متماشيا مع قفل الباب ، وأننا مهما أدرناه فيه فإننا لن نستطيع فتحه، لذلك ترانا مجبرين بعد فترة طويلة من التمادي في الغبن أو شتم الباب، ومن يريد أن يفتحه بطريقة أخرى أن نقبل بالبحث عن البديل من أجل نجاعة أكبر.
لنعد إلى مثالنا لنسأل متربصنا : إن كانت جرثومة كوخ هي السبب في مرض السلّ فمن الطبيعي أن نقول إن إختفاء السل مرهون باختفاء الجرثومة بالدواء والتلقيح متقدما على انقراض المرض ، كيف نفسر إذن انهيار الوفيات بهذا المرض في أنجلترا الذي أثبتته دراسة وبائية عن المرض من 1850 إلى 1950 (4) أي قبل اكتشاف الجرثومة سنة 1880 وقبل اكتشاف أي دواء ناجع ضدّها وأوّله لم يكتشف إلا سنة 1947 (الستربتوميسين )، ناهيك عن التلقيح الذي لم يعرف إلا ابتداء من سنة 1950 وكيف نفسّر إصابة مجموعة اجتماعية دون أخرى.
إن دراسة سريعة للرسم التالي تبين أن مفتاحنا النظري الذي جعل من السّل ظاهرة وجرثومة كوخ سببها... لا يمكن أن يفسر معطيات كهذه، وباستطاعة متربصنا أن يتخلص منه هذا الإعتراف بقوله : إنه يتعامل مع الأفراد وأن هذه المعطيات تتعامل مع الجماعات ، لكن الإعتراض ضعيف لأننا لا نفهم ما هي علاقة الجرثومة بالمرض .
والآن لنسأله عن تقييمه لحظوظ شفاء مريضه بعد وصف الأدوية له ، لا بد أنه سيفاجأ إن قلنا له إنها ضعيفة نسبيا لأن أغلب الدراسات تثبت أن نسبة تعاطي الدواء بالكامل وبانتظام لا تتجاوز 40 % أي أنه حتى ولو افترضنا أن الجرثومة هي سبب المرض وأن علاجه هو الصادات الحيوية فإن هناك عوامل أخرى (اجتماعية ـ ثقافية ـ اقتصادية) يجب أن تؤخذ بعين الإعتبار لكي يقبل هذا المريض أن يتناول دواءه لمدة أشهر طويلة.

إنخفاض الوفيات بالسّل في انجلترا



من الواضح إذن أننا بحاجة إلى أسس نظرية مختلفة لتفسير مثل هذه الظواهر التي لا تستقيم مع ما تعوّدنا على إعتباره جملة من البديهيات.
والسؤال الآن ما هي هذه الأسس وما هو دورها في فتح أبواب أغلقتها أمامنا الإيديولوجية القديمة ؟
لا يسعنا بالطبع في مثل هذا النص المقتضب إلا تعداد أهم الأفكار التي تسند التصور الجديد والتعرض إليها بمنتهى التّبسيط لكل فكرة منها ميدان تتداخل فيه الفلسفة وشتى أنواع العلوم ، وتشكّل ساحة معركة نظرية لها جذورها التاريخية وأبعادها العقائدية ، مع العلم أنّها تبقى نتاجا متطوّرا للثقافة الغربية نفسها.
عندما يقول الطبيب الفرنسي الكبير Charles Nicole أن على فكر الطبيب (العلمي) أن يكون مرآة لا تشوبها شائبة تنعكس عليها الظواهر فهو يعني أن العالم مكوّن من أشياء مستقلة عن الفكروأن على هذا الأخير أن يكتفي بملاحظتها كما هي من الخارج دون أن يقحم فيها شيئا منه حتى لا يشوّهها وهذا هو الشرط المبدئي لكي يفهمها كما هي على حقيقتها أي موضوعيا وهو في موقفه هذا لا يفعل أكثر من المغالاة في اتجاه نقيضه وطرفه الآخر الرأي الفلسفي القديم قدم الفلسفة نفسها ، أي المثالية القائلة أنه ليس هناك وجود مستقل للأشياء، وهي كلها من صنع الفكر.
والموضوع هنا بالطبع ليس الدحول في نقاش النظريتين وإنما في إظهار علاقة ممارستنا للطب بإحداهما ألا وهي الموضوعية الفجّة التي يوصي بها Charles Nicole فقد تعوّدنا أن "نفتعل" النظر إلى مرضانا كمرآة تنعكس عليها الظواهر المرضيو ، وأقول أننا نفتعل لأن حدود النظرية تظهر في صعوبة تطبيقها حيث ترانا دوما نتفاعل مع المريض وأعراضه، نتأثر بها نوؤثر عليها وذلك بإقحام دائم لعواملنا النفسية بصفة لا شعورية أغلب الأوقات ولكنها فاعلة ومؤثرة.
المهمّ أنه أتتنا من العلوم كالفيزياء النووية نظريات أخرى تفنّد التّصور البدائي للموضوعية حيث أصبحنا نعلم أن هذه القطاعات المتقدّمة من العلوم المتعاملة مع الأشياء لا تعترف في ميدانها (فما بالك في ميداننا) بأن الفكر العلمي الصحيح مجرد مرآة تنعكس عليها الأشياء ، فقد أظهرت أن العلم منهجا ومعرفة هو دوما علاقة بين ذات تشاهد وعالم مرتبط بها (5) مستقل عنها وأنه لا وجود لمعرفة خارج هذه العلاقة ، فالمعرفة الموضوعية العلمية إذن هي التي تدرك استعصاء هذه العلاقة عن الحل ، ومن ثمة تعرّف بالذّات المشاهدة قبل أن تحاول ادّعاء فهم ما تريد فهمه، هذا لا يعني أنه لا وجود لعالم خارج الذات كما تدّعي ذلك المثالية، وإنما أننا ندرك تداخلها ضرورة في كل عمل معرفي.
إضافة إلى هذا التفنيد للموضوعية الفجة والآتي من علوم لها وزنها ومصداقيتها فإن الطب نفسه أفرز خاصة في فرعه "النفساني " تكذيبا آخر لنظرية المرآة الصافية فالطبيب في العلاج "النفسي" مقحم رغم أنفه من طرف المريض في عملية العلاج، وحتى لا يكون هذا التأثير سلبيا فإن أطباء التحليل "النفسي" مطالبون بالقيام بتحليل "نفسي" طويل وشائك لأنفسهم حتى تتضح لهم عقدهم ومشاكلهم الشخصية وبذلك يستطيعون أن يتحملوا منهم ما قد يبدونه نحوهم من عنفوانية او تعلق ، ويوجهوهم الوجهة الصّحيحة للعلاج .
فالنظرة المعاصرة إذن ترتكز على اعتبار موضوع المشاهدة غير منفصل عن المشاهد معتبرة الذات والموضوع في إطار علاقتهما الوثيقة ، ومن ثمة فهي ترفض المثالية المتطرفة والموضوعية المتطرفة، هذا يعني عمليا، أن الطبيب المعاصر لا ينظر إلى مريضه لا في البداية ولا في النهاية كشيء خارج عن ذاته، وإنما يدرك أن دقّة التشخيص ونجاعة العلاج مرتبطين أشد الإرتباط بتلاقي ذاتين ، وأن العلم في فهم هذه العلاقة لا في ادعاء ما هو غير ممكن ولا مستحب .
رأينا عجز طبيبنا المتربص في إطار إيدولوجيته القديمة عن تفسير سبب انهيار الموت بالسل في انجلترا على مرّ قرن قبل اكتشاف الجرثومة والدّواء واللّقاح الناجعين ضدّها ورأينا أن هذا العجز ناتج عن تصوّره الساذج للحلقة السببية
سبـب نتيجـة
لنتصور أنه كان واعيا بأن المعادلة يجب أن تكتب كالآتـي

سبــب 1
سبــب 2
ســبب 3 النتيجـة
ســبب 4

لنتصور أنه ذهب إلى أبعد من هذا متصوّرا النتيجة كحاصل عمل شبكة سببية معقّدة نرمز لها كالآتي :
س 2

س 3
نتيـجة
س 1

س 6 س 4

س 5

هذا يعني أن الإصابة بالسّل بالنسبة إليها ليست نتيجة الإصابة بجرثومة كوخ بقدر ما هي في ترابط عدة أسباب أصبحنا اليوم نعرف أهمها ألا وهي :

• الغذاء
• السكن
• المستوى التعليمي السلّ
• جرثومة كوخ
• حالة المناعـة

لا شك أن هناك عوامل أخرى نجهلها وقد تدخل في الشبكة السببية إلا أن العوامل المعروفة كافية لكي يفهم متربصنا لماذا انهارت نسبة الإصابة قبل اكتشاف الجرثومة أو أي دواء ناجع ضدها، فقد أدّت التّغييرات الهائلة في ظروف عيش الإنجليز من تحسن كبير في الغذاء والسكن إلى تقدم اجتماعي عموما ورغم وجود الجرثومة في المحيط وربّما اتّصال الجسم بها إلى تغيّر في الشبكة السببية مما أدى إلى انهيار نسبة الموتى ، وهو ما يثبت أن الجرثومة عامل من جملة عوامل وليست الوحيدة المتسبّبة في المرض .
لنعتبر الآن قضية فشل العلاج بالنسبة إلى 60 % من المرضى رغم توفر العلاج ، والفشل كما رأينا هو نتيجة تخلي المرضى عن دوائهم قبل انتهاء فترة العلاج الطويلة نسبيا (من 6 إلى 18 شهرا).
تكتب المعادلة بالنسبة للسببية البسيطة التي تحرك متربصنا كالآتي :

وصف محكم لدواء ناجع شفاء
لنحاول الآن كتابة معادلة تعتبر تعقيد الأسباب وترابطها.






• وصف محكم لدواء ناجع
• سهولة الحصول على الدواء (اقتصاديا وجغرافيا
• انعدام المضاعفات السلبية للدواء
• وعي المريض ، مشاركته الفعالة شفاء
• العلاقات الطبية بين المريض والطبيب
• الدّعم والضغط العائلي لمواصلة العلاج رغم طوله

نفهم إذن لماذا لا يكفي الوصف المحكم للشفاء ـ لأن اليد الواحدة لا تصفق والنقر على ووتر واحد للعود لا يشكل لحنا ، ومن البديهي أن اعتماد السببية المعقّدة لا يهدف إلى وصف علمي دقيق للظواهر فحسب ، ولكن إن هذا ضروري للتحكم الفعال فيها.
لنعتمد مثالا خارج ميداننا نستقيه م أبحاث Jorgan Randersحول إشكالية عصرية أي "ما هي أنجع وسيلة للتخلص من الفضلات الصناعية الصلبة (1) أول سؤال : ما وراء ارتفاع نسبتها في المحيط ؟
تكتب المعادلة السببية كالآتي :
ارتفاع عدد المواد المصنّعة
ارتفاع نسبة المواد الصّلبة في كل منتوج ارتفاع نسبة الفضلات الصناعية في المحيط
قصر عمر المواد المصنعة

هناك إذن على الأقل ثلاث أسباب تفسر هذه الظاهرة مع العلم أن وراء كل سبب (ارتفاع عدد المواد المصنعة) شبكة سببية معقّدة هي الأخرى ـ (ارتفاع الدخل القومي ـ ارتفاع الطلب ـ ارتفاع عدد المصانع ـ رخص الطاقة الخ...) السؤال الآن : ما هو أنجع حل للتّخفيض من هذه الفضلات الصناعية التي تلوث المحيط ؟
مبدئيا نقول لا بد من التخفيض في عدد المواد الصنعة لكن هذا يعني التخفيض في عدد المصانع وعدد العمال الخ.. وهو الأمر الغير مقبول اقتصاديا، وإذا نقّصنا في نسبة المواد الصلبة في كلّ منتوج فهذا يعني التخفيض في مدة استهلاكها لسرعة العطب مما يعود بنا إلى السبب الثالث.
إن اعتبار كل الإمكانيات وتصور نتيجتها بالإعتماد على الحاسب الآلي Ordinateur تظهر أن أحسن وسيلة للتوصل إلى النتيجة المطلوبة تمر باتخاذ الإجراءات التالية :
1 ـ رفع عمر المواد المصنوعة مثلا : يصنع سيارة لا تطلق آخر أنفاسها بعد 10 سنوات لكن بعد15 وهذا يساهم بحل المشكل بنسبة 50 %.
2 ـ سنّ ضريبة على المعادن ترفع سعرها وتقلّل من استهلاكها وهذا يساهم بنسبة 25 %.
3 ـ إعطاء منح للصناعة التي تعيد رسكلة هذه الفضلات ، وهذا يساهم بنسبة الـ 25 " الباقية.
من الواضح أن هذه الطريقة من التفكير هي التي يجب أن تلهم أبحاثها وتملي علينا استراتيجياتنا. فمن البديهي أن متربصنا لو فكر بهذه الطريقة لربما اكتشف أن الوصف المحكم للعلاج لا يساهم في حل المشكلة إلا بنسبة 25 % والتربية الصحية بنسبة 25 % وتوفير الدواء بنسبة 50 % ولربما بنى تعامله مع المريض على تصرف أعقد من تسليمه وصفة عليها قائمة الدواء الذي يجب تعاطيه.
نلاحظ إذن أن الطبيب في هذا النموذج من التفكير يقحم عوامل اقتصادية اجتماعية (في تفسير سبب الإنهيار) وعوامل نفسية ثقافية (في تفسير فشل العلاج بالصّادات الحيوية) أي ا،ه نظر إلى المشكل من مختلف زواياه ولم يجزّئه حسب وصيّة ديكارت إلى بعض الأجزاء ، فهو في ميدان التفسير وفي ميدان العمل شمولي النظرة يعتبر حقا مختلف أجزاء الإشكالية لكن في تكاملها وتظافرها وعملها المندمج.
ولا شك أننا مواجهون هنا بثنائية قديمة قدم ثنائية الموضوعية /الذاتية/المثالية/المادية ألا وهي ثنائية التحليلية ( Analyse reductionisme) والشمولية (Holisme) (3) والتوجّهان موجودان من قدم الزمان وباقيان طالما بقي الإنسان يفكر لأنه في الواقع بحاجة إلى كليهما والسؤال هو : لماذا ينتقل الفكر من تفضيل استعمال هذه التقنية إلى نقيضها ؟ والرد : إن الإفراط في الشمولية يؤدي إلى التعميم والتسطيح والمبتذلات ، ومن ثمة تكون ردة الفعل التحليلية التجزيئية، إلا أن هذه الأخيرة تؤدي دوما إلى تراكم معلومات ذرية وقع استئصالها من محيطها مثلما تستأصل اليد من الذراع .
واليد عندما تدرس مفصولة عن الذراع تبوح ببعض أسرارها وتحفظ جلها لأنها لا تعمل إلا ارتباطا بشرايين وأوردة وأعصاب وعضلات ما فوق ، ناهيك عن ارتباط أبسط حركة تقوم بها بخلايا مدقّقة في مناطق معينة من الدماغ .
وباكتشاف هذه الخاصية في الأشياء المفكّكة ، تعود للفكر نزعته القديمة أي محاولة الإلمام بالشيء في علاقته الوثيقة بمحيطه ، فبعد الفك لا بد من التركيب وهذا النوع من الرياضة الفكرية لا تجيدها إلا الشمولية. والقول أن الكفر العلمي المعاصر شمولي لا ينفي عنه صفة التحليلية ولا يعني أنه يكتفي بالعودة إلى النظريات العامة والفضفاضة التي لعبت دورا كبيرا في تجميد تطور المعرفة.
لنعد إلى مثالنا السلّ لنفهم هذا التطور المنهجي . إن أحسن ممثل للشمولية القديمة في هذا الميدان هو الطبيب الفرنسي الكبير Broussais 1772-1838 (2) فهو يرفض الإعتراف بالأمراض ككائنات لها وجود وإنما يعتبرها حالات يمر بها الجسم وتعبّر عن تغيير في توازنه، ومن ثمّة رفض التفريق بين الأمراض ولم يعترف بوجود مرض اسمه السلّ، فكل احالات مهما تعددت ظوارها هي نتيجة عامل أوحد بالنسبة إليه أي "الالتهاب" . وتبرز هنا إحدى خاصيات التفكير الشمولي ألا وهي البحث عن تصور عام يسمح بفهم كل الظواهر وترتيبها . فطبيبنا هذا مؤمن أشدّ الإيمان مثلا بأن كل حمّى هي نتيجة التهاب المعدة والأمعاء ، وأن إصابة الأعضاء الأخرى بالحمى هو نتيجة "تجاوزها " معها.
لا شك أن Broussais محق في رفضه اعتبار الأمراض كائنات لها وجود مستقل عن متصورّها : لكن شموليته هذه لا تغني ولا تسمن من جوع لا لأنها تحكم مسبقا على الظواهر بانتمائها إلى فصيلة الإلتهاب ، بل لأنها تمحو كل الفوارق في إطار تشكيلة غامضة ، ومن ثمة أهمية ودور منافسه الطبيب الفرنسي الكبير الآخر Laennec 1781-1826 فهو خلافا لـBroussais لا يكنب في موضوع إلا واتبع وصفا يبدأ بمعطيات التشريح ، ثم يأتي إلى وصف الأعراض بصفة دقيقة للغاية، منتهيا إلى وصفات علاجية لا يوليها كثيرا من الثقة والإعتبار ، وبهذا تمكّن Laennec من إثراء معلومات الطبية بصفى أشمل وأعمق وأجدى من عموميات Broussais الذي كان لا يخفي احتقاره أمام "فاتحي الجثث" إلا أن Laennec لم يفعل في الواقع إلا وصف اليد بمعزل عن الذراع بمعزل عن الكتف، والكتف بمعزل عن العنق الخ... ومن ثمّة ظهور الشمولية المعاصرة التي لا تتجاوز بصفة اعتباطية التحليل وإنما تحاول إدماج المعلومات المدقّقة وفهم ارتباطها الوثيق من أجل نجاعة أكبر ، وهذا ما يجعل السل مرضا محددا خلافا لمقولة Broussais ولكنه مرض ذو أبعاد بيولوجية اجتماعية ونفسية خلافا لتصور Laennec المجز إ.
وبنفس الكيفية سنرى عودة الغائبة لكنها هنا أيضا مختلفة تماما عمّا عرفناه في الماضي ، وما تنكرت له بقوة الإيديولوجية العلمانية.
فالشمولية كالسببية المعقّدة هي نظرة متفرعة عن /متسببية في إحدى أهم النظريات العلمية المعاصرة أي نظرية النظام (ج ) La théorie du système ومن أهم الأافكار في هاته النظرية أن علينا اعتبار الجسم والمحيط أو المجتمع ، أو المجرات الفضائية إلخ ... وحدة متماسكة الأجزاء كلا به من الخصائص ما يلي :
• إن الكل ليس مجرد الحصيلة الحسابية لأجزائه فالرئة تتنفس والقلب ينبض والكبد يفرز لكن صاحب كل هذه الأجهزة يقول الشعر.
• إنه مرتّب على مستويات (الخلية ـ النسيج ـ العضو)
• إن هناك ارتباطا وثيقا يستعصي على الحل بين مختلف الأجزاء .
• إنه لا يمكن فهم الجزء بمعزل عن الكل
• إن العلم في فهم الصلات المعقدة التي تربط بين مختلف الأجزاء.

المهم في النظرية ليس هذا الوصف الشكلي لإرتباط الأجزاء بقدر ما ينتج عن هذا من رفض للسّببية الميكانيكية واللاّغائية.
فنحن في إطار هذه النظرية لا نستطيع أن نفسر تعاطي الشعر لا بسبب جسمي (تناسق بين خلايا المخ) ولا بتأثير عقدة أوديب، ولا حتى يتأثير الشاعر الكبير فلان على الشباب وهو التوجه الذي عرفناه في السببية الميكانيكية . فكل هذه العوامل المتداخلة واردة لكنها عاجزة عن تفسير توجّه صاحبنا إلى الشعر طالما لم تأخذ بعين الإعتبار إرادةوتوجها ذاتيا نحو أدهاف يختارها صاحبها بتأثير وفي إطار تواجد اختيارات ، لكن بحرية نسبية حيث تشكل استراتيجية خاصة به لا نستطيع التّنبؤ لا بإختياره لها ولا بنتائجها.
إن من أطراف المفارقات في تطور العلم أن السيبرنيتيّة هل التي ردت الإعتبار لمفهوم الغائبة في العلم والحال أنها أكثر العلوم تقنية وإعتمادا على الميكانيك (7).
فنحن نذكر أن الإيدولوجيا العلمانية للقرن التاسع عشر كانت تجمع في نفس السلّة السّببية والتّجربة والموضوعية، وترفض للكائنات سواء أكانت الكون نفسه أو الأجناس أو البشر غايات وأهدافا تسعى لحقيقها وذلك خوفا من عودة القوى الغيبية التي اعتبرتها (عن حق) عائقا وقف طويلا في وجه تطور المعرفة وفهمها للعالم .
يبقى أن هذا الرفض نفسه في شكله المتطرف شكّل بدوره حاجزا منعنا من فهم الظواهر . فالسّبيرنيتيّة مثلا عندما تحاول بناء الإنسان الآلي (د) مضطرّة إلى تحدّد لكل جزء من الأجزاء أهدافا وغايات وإلا استحال تركيبه، والبرنامج الذي يوضع فيه لتوجيهه ليس إلا تفصيلا للمراحل التي يجب أن يمرّ بها لتحقيق مثل هذه الأهداف.
--------------
(ج ) من أهم روافد النظرية علم السيبرنيتية (N. Wiener 1948 Cybernitique (Jay Forrester) والحسابيات L. Von)
(Bertalanfly 1954 وفيزولوجيا الأعصاب (W. Mc. Culloch 1969)والإقتصاد .
(د) الإنسان الآلي : Robot
بنفس الكيفية أصبح رجل البيولوجيا عاجزا عن فهم الخلايا والبرنامج الجيني إن اعتبر عمل هذه الخلية مجرد حصيلة عمليات كيماوية معقّدة عمياء وميكانيكية ، فكل شيء يوحي على العكس بأن عملها كعمل الإنسان الآلي غير قابل للتفسير إن لم نتصوّر أن هذا العمل هو تحقيق لأهداف مرسومة وغايات محددة.
نحن لا نستطيع إذن أن نتفادى هذه الإشكالية بإسم العلم لمجرد أنها تطرح إشكالية مزعجة تخرج عن نطاق اختصاصنا (من كتب البرنامج... ولماذا) (10) ، ونحن مطالبون لفهم الظواهرباعتبارها تتحرك لا بفعل قوى ميكانيكية عمياء كالتي تحرك ذرّات الهيدروجين والاوكسجين عندما نضع الماء فوق النار (الدوافع) وإنما باعتبارها تسعى إلى تحقيقه وما هي بصدد التّوجه إليه (الجوانب).

ماضـي حاضـر مستقبل



دوافع كائـن جواذب




إن الموضوعية الذّاتية والسببية المعقّدة والشّمولية والغائبة هي اليوم أهم التّيارات التي توجّه العلم وهي كما رأينا رد على فشل الموضوعية الفجّة، والسببية البسيطة، والتجزئة الميكانيكية ، واللاغائبة، في إعطاء تفسير مقنع للظواهر ، هذا لا يعني أنها بالضرورة مفتاح سحري لحل كل المشاكل العلمية منها والفلسفية ، وإنما هي مرحلة متقدمة وأكثر نضجا من تفكيرنا المتعامل مع الإشكاليات الصعبة التي تواجهها ، ولا بد أن يقع تجاوزها يوما ما وربما أنها فزت كل العلوم المعاصرة فإنه كان من الطبيعي أن تغزو الطب أيضا لذلك سنكتشف بصماتها في كل فصول هذا الكتاب ودورها في خلق فكر طبي جديد.
وأخيرا فإن هدف هذا الدرس ليس في الدعوة إلى طب خاص بنا يرتكز على جزء من ايديولوجيتنا وإنما التوعية بأن العلم كنهجية فكرية ذات قواعد قارة ليس بمعظل عن محيط فكري أشمل يطبعه بطابعه ويتأثر به. والمطلوب هنا ليس رفض الطب الغربي بحجة وجود إيديولوجيا تسنده لأن هذه هي القاعدة دوما ، وإنما المساهمة في تطويره بما أنه أصبح كنزا مشتركا ، وتطويره لا يكون إلا بفهم خلفياته الإيديولوجية حتى لا نخلط بين العلم والتّعلمن ، وبالمساهمة في تطوّر المنهجية العلمية فيه.









المراجــع

Joel de Rosnay : Le macroscope - Ed Seuil 1974 p. 123 1

Villey Robert - Histoire du diagnostic medical . Ed Masson Paris 1976 2

Atlan Henri - Entre le cristal et la fumée. Le seuil Paris 1979 3

L. Bozzini Luciano - Médecineetsociété les années 80. 4

Ed Albert Saint Martin Quebec

Despagnat Bernard - A la recherche du réel . Gauthier Villars Paris 1979 5

Fergusson Martyn - Les enfants du verseau . Calman Levy 1981 6

Prigonine – la nouvelle alliance – Gallimard Paris 1979 7

Monod Jacques - Le hasard et la nécessité 8

Le Seuil Paris 1970 .

Morin Edgar - La méthode Tome 1 –2 9

Edition Seuil Paris 1980

Raymond Ruyer - La GNOSE de princeton 10

Fayard - Paris 1974











الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Jasmine collar




مُساهمةموضوع: رد: تحميل كتاب المدخل الى الطب المندمج المنصف المرزوقي   18/1/2012, 07:14

الدرس الرابع

تعريف الصحّـة

من الظواهر المسترعية للإنتباه التركيز الذي أصبح مكثّفا في الأدبيات الطبيّة إبّان العشريتين الأخيرتين على مفهوم الصحة (تعريفها ، شروطها الخ...) (8) فقد كتب في هذا الموضوع عدد كبير من المقالات والكتب وهو الأمر الذي لم نعهده م قبل ، وكأنّ مركز الثقل في الفكر الطبّي الحديث انتقل أو هو بصدد الإنتقال من مفهوم المرض كركيزة أساسية إلى مفهوم الصحّة .
وترتّبات هذا الإنتقال ون لا تبدو واضحة فإنّها بديهية متعدّدة وعلى قدر كبير من الأهمية ، إذ بانتقال وتغيير هامّ في سلّم الأولويات سواء أكان ذلك على صعيد تدريس الطبّ ، أو ممارسته داخل المجتمع .
قد يكون من الضروري أن نتساءل في البداية عن أسباب هذا التحوّل.. أي لماذا أصبح الفكر الطبّي ـ الذي كان شغله الشاغل طوال القرون وصف الأمراض والتعرّف على أسبابها ، وإيجاد وسائل للقضاء علىيها ـ نقول لماذا أصبح أكثر اهتماما بهذا الموضوع أي (الصحة) إلى درجة أنّنا أصبحنا نتوفّر على كتب عديدة ودراسات جيّدة لا همّ لها إلاّ محاولة التعريف بهذه الحالة التي نعتبرها معطى أساسيا في الطبّ لكنّه غير قابل للدّراسة العلمية شأنه في هذا الشأن المفاهيم الغامضة الأخرى كالموت والألم .
أوّل ما نلاحظه قبل محاولة الردّ على السؤال وفي إطاره أنّ هذه المراجعة النّظرية وقعت في الغرب وخاصة في أكثر أجزائه تقدّما أي البلدان السكندنافية والولايات المتحدة وكندا ـ والقاسم المشترك بين هذه البلدان ارتفاع مستوى الخدمات الصحيّة فيها التّي يوفّرها الطبّ التّقني ـ وفي نفس الوقت تصاعد الإحتجاجات داخل المجتمع على هذا الطب (1) الّذي يعرف في الولايات المتحدة عددا متصاعدا من التتبّعات العدلية من طرف المرضى وأهليهم. أمّا المأخذ فمن أهمّها :
• الفشل أو الأخطاء المهنية الّتي تذيع أسرارها الصحافة
• التخصّص المفرط والتقنية المبالغ فيها واللاّ إنسانية التي يشكو منها المرضى
• العجز عن حلّ المشاكل النفسية وهي الغائبة
• تصاعد تكاليفه على مستوى الفرد والجماعة.

إلاّ أنّ هذا الحكم الصارم على الطبّ التقني يخفي في الواقع خيبة أمل اعترت هذه المجتمعات إذ اكتشفت أن الأمراض لا تختفي بالتقدّم التقني وإنّما تتغيّر، إضافة إلى أنّ اختفاء الأمراض المخيفة كالسلّ والكوليرا والطاعون ليس بالضرورة راجع إلى الطبّ وحده الّذي اتّضح أنه غير قادر علىالقضاء بالسّهولة التي نحلم بها على أمراض العصركالسّرطان والسكّري وأمراض القلب والرّوماتيزم (2).
لماذا حدثت ردّة الفعل والمحاكمة الصّارمة (وفي بعض الأحيان المتجنّية ) للطبّ التقني في مثل هذه البلدان ؟ والردّ أن ذلك راجع إلى أن الشعوب الغربية متقدّمة على شتى شعوب الأرض في وعيها بحقوق الأفراد والجماعة وفي تنظيمها للدفاع والمحافظة على هذه الحقوق وفي تقييمها الدائم عبر صحافتها الحرّة لفعالية كلّ مؤسساتها الطبيّة منها أو السياسية على حدّ السواء، ومن ثمّة فإنّ كلّ التجاوزات من طرف أيّ جهاز اجتماعي كان ، تثير ردّة فعل سريعة، لذلك أصبحت الصحة من جملة الحقوق التي يطالب بها الأفراد والجماعات ، ونحن نعلم أن المطالبة بهذا الحق يتدرّج تاريخيا على أربع مراحل :
ـ الحقّ في العلاج التّقني كفرد.
ـ الحقّ في عدالة التوزيع لإمكانيات العلاج التّقني على الطبقات والجهات .
ـ الحقّ في أسباب الصحّة الأساسية كالغذاء والسكن والماء
ـ الحقّ في "كماليات" الصحّة كالرياضة والثقافة وشتى أنواع الترفيه.
المفارقة إذن إنّ إشباع هذه المجتمعات لحاجياتها من الطبّ التّقني أدّت وتؤدّي إلى عملية التحوّل من الإهتمام بالمريض إلى التركيز على الصحة.
إلاّ أنّ مفهوم الحقوق داخل هذه المجتمعات يتماشى دوما مع مفهوم الواجب والمسؤولية. لنتذكّر أنّ المريض في نموذج الطب التقني هو ضحية (الجراثيم ، للحمات ، للطفيليات الخ ...) وأنّ مساهمته في العلاج تقتصر على الإنصياع إلى الأوامر التي يعطيهل الطبيب ، لكن المريض بسرطان الحنجرة أو بجلطة قلبية يعتبر اليوم مسؤولا عن مرضه في هذه المجتمعات لأنّه لمي يعمل بالمعلومات الموضوعة تحت تصرفه للمحافظة على صحّته ، إذن من ترتّبات التحوّل ومن أسبابها تواجد وتنامي الشّعور بالمسؤولية الفردية والجماعية داخل تنظيمات ديمقراطية ولا مركزية لعبت وتلعب فيها المبادرة الفردية والجماعية دورا كبيرا في التعامل مع المشاكل سواء أكانت سياسية أم بلدية أم محليّة أم صحية.
مجمل القول أنّ الخطاب الطبّي المركّز حاليا على الصحّة لا على المرض وعلى الوقاية لا على العلاج، هو خطاب نابع من خصائص مجتمعات متقدّمة تتميّز بالشعور المرهف بالحقوق، وإمكانية ممارسة المسؤولية الفردية والجماعية وهي مجتمعات أرضت أهمّ حاجياتها منالتدخّل الطبّي التقني وقيّمت حدوده وعيوبه بجانب التمتّع بإنجازاته.
أين نحن في البلدان الفقيرة من مثل هذه الوضعية ؟
لا جدال أننا لازلنا نتدرّج على سلم الحقوق والمسؤولية، وأنّنا لم نرض حاجاتنا من الطبّ التقني ومن توزيعه العادل وأنّنا لازلنا في موقف انبهاري منه هل معنى هذا أنّ كلّ خطاب متمركز على مفهوم الصحّة سابق لأوانه ومن ثمّة غير فعّال ؟ طبعا لا ، لأنّ ما حدث في الغرب هو بمثابة تجربة علينا الإستفادة منها لا تكرارها، فإذا اتّضح أنّ إنفاق الموارد وهي قليلة في بلداننا لعلاج الأمراض المستعصية أقلّ مردودا إنسانيا واقتصاديا من توفير أسباب الصحّة للأغلبية، فلم لا نتّغظ ، وإذا اتّضح أن تكوين الطبيب المركّز على الأمراض عاجز عن توفير الصحّة للفرد والمجتمع فلم لا نعيد النظر في الأسس النظرية لتعليمنا.
ومن ثمّة لا بدّ لنا أن نواكب هذه الثورة في المفاهيم مثلما نحاول (بدون نقاش في سلامة الموقف) مواكبة الثورة التكنولوجية الآتية من الغرب على شرط أن لا ننسى دوما الخصوصيات الحضارية والإقتصادية والسياسية لمجتمعاتنا.
أي تعريف للصحّة ؟
في تعريف التّعريف يقول أحد الظرفاء "إنّه جدار من الكلمات الفضفاضة نحاول به تطويق أرضية مبهمة من الأفكار" .
وفي هذا التعريف الكثير من الصواب لأنه لا شيء أصعب من محاولة حصر مفهوم معقّد في أربع جمل ، إلاّ أنّ العملية ضرورية إذا اعتبرنا أنّ التعريف ليس هدفا في حدّ ذاته بقدر ما هو وسيلة تسهّل علينا ما نحن بصدد القيام به ومن ثمّة السؤال : ما المرجو منه ؟ والردّ أنّه مجعول لتحقيق جملة من الأهداف ومن أهمّها :
ـ حصول توافق بين المتحدّثين في الموضوع فلا يكون مثل حوار الطرش المتميّز بأنّ لكل أحد مفهومه الخاص ، وهذا يعني ضرورة أن يكون التّعريف حصيلة وفاق جماعي، لأنّ الصحّة ليست شيئا موضوعيا يستطيع تعريفه عقل مجرّد، أي مستقل بذاته عن تصوّر المتكلّم للعالم ومشاغله الإجتماعية ومواقفه السياسية.
ـ توجيه العمل في اتّجاه معين ، وهذا يعني أن يكون التعريف صبغة عملية وإلاإ بقي وصفا مختصرا ومسقطا لا يغني ولا يسمن من جوع.
لنتعرّض في البداية إلى جملة المحاولات لتعريف الصحّة والّتي لم تحظ بالوفاق ومن أقدمها وأهمّها :
1 ـ الصحّة هي الخلوّ من الأمراض (5)
2 ـ الصحّة هي العمل الصامت للأعضاء
3 ـ الصحّة هي حالة من الرفاهة الكليّة : البدنيّة والنفسية والإجتماعية
وهذا التّعريف الأخير هو للمنظّمة العالمية للصحّة.
إنّ قراءة بسيطة لهذه المحاولات تعطينا فكرة عن أسباب عدم حدوث الوفاق (وعن صعوبة تعريف ما يبدو لنا مفهوما بديهيا).
فالقول بأنّ الصحّة هي عدم وجود الأمراض ، كالقول بأن الجمال هو انعدام القبح ، والنّظام انعدام الفوضى. وهو ما يسمح لنا بتعريف المرض بأنّه انعدام الصحّة والفوضى بأنها انعدام النظام الخ ... فالمطابقة المعكوسة ليست تعريفا بقدر ما هي هروبا منه لأن الشيء لا يوصف بنقيضه وإنّما بخصائصه الذّاتية.
أمّا القول بأنّها العمل الصّامت للأعضاء فإنّه لا يقدّم شيئا هامّا لأنه يحاول تعريف الصحّة بإحدى مظاهرها، وهو كالقول بأنّ السلم الإجتماعية هي في انكباب العمّال على عملهم. والكثير من التّعاريف تقتصر فعلا على هذه الصبغة الوصفية بخاصية أو خصائص يقع التركيز عليها لأهمية تفترض فيها. أمّا تعريف المنظمة العالمية للصحّة فقد أثار جدلا واسعا وأجمع الكلّ على اعتباره مغاليا في المثالية، فلو طبّقناه بحذافيره لأصبح المرض القاعدة وليست الشاذّة، فالتّعريف ظريف لكنّه يصلح للسّعادة لا للصحّة لأن من اكتملت راحته البدنية والنفسية والإجتماعية هو إنسان دخل الجنة من أوسع أبوابها وعلى سطح الأرض .
لنسأل الآن المعنيّيين بالأمر بعد المهنيّين أي عامة النّاس في تصوّرهم للصحّة وسنكتشف في الأمثلة الشعبية أو في ما يتداوله النّاس من نكت بعض الأفكار لبلورة تعريفنا .
مثلا مقولة المثل العربي : "الصحّة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه سوى المرضى " وهو قول بليغ يركز على نقطتين : أهمية الصحّة القصوى حيث تقارن بتاج ملكي ، ونسياننا ونحن في أوجها بأهمية ما نتمتع به، لأنّها تعتبر حالة طبيعية وبديهية.
ما الذي يجعل الصحّة "تاجا " أي شيئا عزيزا ثمنينا ، وماذا نفتقد عندما يسقط هذا التّاج من على الرأس ؟ ويكون الجواب ما يلي :
الفعالية طبعا التّي تمكّننا من متابعة أهدافنا مع ما ينجرّ عن ذلك من لذّة سواء ونحن نجري وراء الأهداف المنشودة أو نحن نصل إليها .
فالصحّة تاج لأنّها الحالة المثالية والمطلوبة التي تمكّن من متابعة هذه الأهداف وتحقيق ولو جزء ضئيل منها. هل يعني هذا أنّها شرط ضروري وكاف لتحقيق هذه الأهداف ، بداهة نعم ... لكن حذار من البديهيات وشتّى أنواع التبسيط.
فنحن وإن تمتّعنا بالصحّة كامل الصحة لا نحقّق بالضّرورة كلّ الأهداف كما نريد ذلك، أضف إلى هذا أننا قد ننجح في تحقيق بعضها أو جزء من بعضها ونحن لا نتمتّع بالصّحة، فقد كان بتهوفن أطرشا ودستويفسكي مريضا بالصّرع وأرقست كومت مريضا عقليا وفرويد مصابا بالسرطان الخ ... ومع ذلك فقد غيّروا معالم عالمنا الفكري بصفة هامّة بل ويمكن القول بأنّ الرض كان وراء الطفرة الإبداعية عند الكثير منهم .
يبقى أنّ الإستثناء لا يلغي القاعدة هي ، والقاعدة هي " أن الصحّة وسيلة في خدمة أهداف تتجاوزها لا هدفا في حد ذاته وبعبارة أخرى هي تاج لأنّها إحدى الشّروط الرّئيسية لأقصى حدّ ممكن من النّجاعة في تحقيق الأهداف الحياتية ، يؤدّي فقدانها إلى إعطاء الفشل جلّ حظوظه ولا نقول كلّها للاستثناءات الهامّة التي رأيناها.
يمكن تجميع الأهداف التي يرنو الفرد إلى تحقيقها في أربع :
ـ البقاء على قيد الحياة
ـ تمرير الحياة
ـ "زيارة " الحياة
ـ تغيير الحياة
والهدف الأوّل بداهة هو الرّكيزة، ومنه تنبع أغلب تصرّفاتنا، أمّا تمرير الحياة بالتّوالد فهو أيضا هدف لا يمكن الإحتجاج على أهميته بالشواذّ، يبقى أنّ ما نعنيه بزيارة الحياة هو هذه الخاصية الإنسانية التي تدفعه إلى اكتشاف العالم حواليه والدّخول في تجارب شتّى معه ، أمّا تغيير الحياة فهدف هام يتّخذ حسب الأفراد والزّمان والمكان كلّ الصبغات الممكنة من محاولة تغيير المحيط الضيّق إلى محاولة تغيير البشر أنفسهم .
بداهة لا تحقيق لهذه الغايات مجتمعة أو كلّ على حدة ما لم يتمكّن الإنسان من حدّ معيّن من القدرة وعواملها ثلاث.
البرنامج الجيني
المحيط
المواقف والتصرّفات








البرناج الجيني

لنتوقّف عند تعريف Sagert لأننا سنتقدّم به خطوة إلى الأمام ونخرج به من المبتذلات والوصف والمثالية المفرطة يقول:
" الصحّة هي قدرة الجسم على مقاومة قوى التشتّت والحوادث والصّدف وضروريات المحيط الخارجي " (8).
ولنطرح هذا السؤال : ما المقصود بالجسم وقدرته هذه ؟
مبدئيا يمكن القول أنّ الجسم هو بالأوّل جملة (أو نظام) (أ) من الأجهزة (الدماغ القلب ألخ...) التّي يمكن تفصيلها هي الأخرى على أنظمة ثانوية (الأنسجة فالخلايا ، وأنّ جهاز مختص بوظيفة معينة (ضخّ الدّم ـ التنفّس الخ ..)، تندمج كلّها في وظيفة أساسية هي الحياة.
إنّ قدرة الجهاز على أداء وظيفته مرتبطة بداهة بسلامة صنعه وهذا شرط أساسي لكن قدرة الجسم بسلامة صنع الأنظمة المكوّنة تتجاوز تأدية وظيفة السّمع أو الحركة أن إفراز الأنسولين ، فالمفهوم أعقد من هذا بكثيرا لأنّ الجسم ليس آلة منتهية الصّنع وإنّ/ا كائن زمني ، فالبويضة تصبح رضيعا والكهل عجوزا الخ ... ومن ثمّة فالقدرة تتمثّل حقّا في تأدية الوظائف لكنّها تتمثّل أيضا في الإنتقال من مرحلة إلى أخرى بدون أن تتشتّت الأجهزة لا بفعل ديناميكية داخلية (ظهور الخلايا السّرطانية) ولا بفعل القوى الخارجية (الحمّات ـ الطفيليات البشر ) أي بالحفاظ على وحدة الجسم وخصائصه الأساسية رغم ما يتطلبه الإنتقال من مرحلة إلى أخرى من عمليات دقيقة، ورغم ضغوطات المحيط الهامّة وبالتّالي فإنّ قدرة الجسم تكون في المحافظة على التوازن الدّائم عبر التغيّر المستمر بجانب تأدية جملة الوظائف التي تتطلبها كلّ مرحلة.
والأمران مرتبطان أشدّ الإرتباط ببعضهما . مثلا : لا بدّ أن يكون الجسم قادرا على استخراج الطاقة واستعمالها المحكم في مختلف فترات العمر ، ومن جهة أخرى يؤدّي الغذاء مثلا إلى رفع نسبة السّكر في الدّم ممّا يضطر الجسم إلى خزنه في الكبد ، والجوع يؤدّي إلى خفض هذه النّسبة ممّـا يؤدّي إلى أخراجه منه وهكذا تبقى النّسبة في الدّم دائما في الحدود المطلوبة وإلا حصل مرض السكّري، كذلك نعلم أنّه لا بدّ من صنع خلايا جديدة لمواكبة التطوّر لكن هذا التطوّر يجب أني قف عند حدّ وإلا تكوّن السّرطان الخ ...
كلّ هذه العمليات المعقّدة والدّقيقة قابلة للخلل ، إذن ما وراء النّجاح المؤقت للتوازن ؟ (4).
إنّه "بنك المعلومات " الموجود في كروموزمات نواة الخلية على شكل أوامر مضبوطة مكتوبة بشفرة كيماوية معينة ومعروفة وتحدّد جملة العمليات كإنقسام الخلايا لتطوّر الجسم ، وعمل الأعضاء المتناسق الخ... ويسمّى البرنامج الجيني Programme génétique .
• الدّرجة الدّنيا في فعالية هذا البرنامج (والذّي يمكن مقارنته بشيء من الإجحاف بالبرنامج Programme logiciel الذّي نضعه في الحاسب الآلي Ordinateur Computer ليقوم بمأموريات متفاوتة التّعقيد) أن يكون ملآنا بالأخطاء التّي تؤدّي ترجمتها إمّا إلى جسم غير قابل للحياة، مع إمكانيات وقدرات ضعيفة
إنّ القائمة الطويلة للأمراض الجينية الّي أصبحنا نعرفها اليوم لواضحة في دلالتها ألا وهي أنّ كلّ جهاز قابل للصّنع معطوبا نظرا لخلل في أوامر الصنع أو في تنفيذها ومن ثمّة ظهور خلل في وظيفته.
على عكس هذا ما هي علاقة البرنامج الجيني بطول العمر ؟ (4)
من المؤكّد أنّ البتّ في هذا الموضوع صعب للغاية لتداخل وترابط العوامل الجينية بالتصرّفات والمحيط ممّا يجعل عزلها صعبا ، إلاّ أنّ أبحاثا يابانية تظهر ان المعمّرين (ما فوق التّسعين) في جزر أوكيناوا ينتمون غالبا إلى فريق HLA DRI وقلّ فيهم من ينتمي إلى فريق HLA DRW9 والحال أنّ ارتباط بعض الأمراض كالسكّري مثلا في هذا النّوع من النّاس ثابتة.
ويقول Takata الباحث الياباني :
وهناك احتمال كبير جدّا لأن يكون الإنتماء إلى صنف HLA DRW9 عامل خطورة في حين أنّ الإنتماء على صنف DRI عامل أيجابي في طول العمر عند سكّان أوكينـاوا وتوحي إذن أبحاثنا بقوّة أنّ هناك عوامل جينية تحدّد طول حياة البشر .
إذن سلامة البرنامج الجيني أولى شروط فعالية الجسم وربّما عامل من عوامل امتداد الحياة أيّا كانت طبيعة المحيط.

* * *
لنعد إلى تعريف Sagert أي قوله إنّ الصحّة هي قدرة الجسم على مقاومة التشتّت والحوادث والصّدف (ويقصد الصّدف السّيئة ).
إنّ ما نلاحظه مبدئيا أنّه لا يثق كثيرا في المحيط والدّليل أنّ الصحّة بالنّسبة إليه هي قدرة المقاومة، وهو محقّ في حذره هذا لأنّ المحيط فعلا مليء بكلّ ما يحتاجه الجسم وبكلّ ما يهدّد كيانه وبكلّ ما يعترض طريقه لتحقيق أهدافه، إلاّ أن المؤلف يقف هنا عند ويل للمصلّين لأنّ المحيط يزخر وبنفس الكيفية بكلّ ما يحتاجه الجسم لتحقيق هذه الأهداف أيضا في نفس الوقت وبصفة دائمة وهو ما يمكن أن نلخّصه في لجدول الآتي :























المحيط
الضّار (-) النّافع (+)

الأعاصير ـ الزّلزال ـ الحرّ أو البرد المفرط
الطّقس المتوازن طبيعيا أو بصفة مصطنعة

الحمات في الماء
الجراثيم في الهواء
الطفيليات في الغذاء
الأشعة ـ مواد كيماوية
الأفاعي ـ الحيوان القترسة
الهواء النقّي
الماء الصّالح للشراب

السكن الردىء
السكن

الندرة أو قلّة الغذاء أو زداءته
الغذاء النافع والمتوفّر

البشر : علاقة البغضاء بشتّى أصنافها وأنواعها
البشر : علاقةالحبّ بشتّى أصنافه ومستوياته

المطبّات ـ الحوادث
الدّواء وشتّى أصناف العلاج

العمل المدمّر
العمل الخلاّق

المعلومات الخاطئة ، الجهل الإغتراب
الإيمان
المعرفة وشتّى أنواع الثّثافة
اللّعب وشتّى أنواع التّرفيه

القبح ـ الشرّ
الجمال ـ الخير







• بداهة المحيط هو في نفس الوقت كلّ الخير وكلّ الشرّ فمثلما لا وجود لنور بدون ظلام ولا لبداية بدون نهاية فإنّه لا وجود لمحيط بدون مضار وبدون منافع للجسم ، مع العلم أنّ هذه الخاصية الإزدواجية هي ظاهرة الظواهر في كلّ ميدان وليست حدثا طارئا ستتغلّب عليه يوما ما وإنّما خاصية مكوّنة وملازمة لما نسمّيه محيطا.
ومن ثمّة يتضح قصور تعريف Sagert بل خطؤه لأن الصحّة ليست فقط قدرة مقاومة المحيط بسلبياته وإنّ/ا أيضا قدرة استغلاله بإيجابياته.
ولم هذا ؟ ألأن المحيط كائن ميتافيزيقي له خاصيتان متناقضتان مثل إلاه زرادشت ؟ طبعا لا فالمحيط هو جملة الكائنات من جماد ونبات وحيوانات وبشر الخ .. وجملة العلاقات التي تربط بينها .
والإنسان مواجه ككلّ المشاركين بعلاقات وعوامل لصالحه ، وأخرى لصالح الكائنات الأخرى لأنّ المحيط حصيلة عمل وتواجد الجميع ولم يخلق له وحده، وممّا يزيد في تعقيد العلاقة أنّه لا الجسم ولا المحيط بشيء قارّ وإنّما هما جملة من الخصائص المتحركة دوما فمثلا نسبة أوّل أوكسيد الفحم في الهواء أو كثافة الحمّات في الماء أو علاقة الحبّ بين الزوجين في تغير دائم .
ومن ثمّة فإن ّ العلاقة محكومة بخاصية رئيسية ألا وهي التكيّف الدائم لإمكانيات متحركة مع عوامل خارجية متحركة هي الأخرى (7).
لنتوقّف عند ثاني أهمّ خصائص هذا المحيط في تعامله الدّائم مع الجسم : تعقيده المريع ، وسيعطينا الرّسم التّالي فكرة واضحة عن الإشكالية.

المحيــط

علاقة عاطفية مع البشر± ماء ± غذاء ±




ثقافة ± هواء ±

جســم


عمل ± كائنات حيّة غير ±
البشر

سكن ± طقس ±



إنّ ما نلاحظه مبدئيا هو تعدّد العوامل الّتي يجب على الجسم مقاومتها و/أو استغلالها للمحافظة المؤقتة والمهددة دوما على توازنه الحركي ، وتزداد الأمور تعقيدا إذا وضحنا أنّ هذه العوامل مرتبطة متداخلة ، فمن الواضح أنّ هناك علاقة وثيقة بين الثّقافة والغذاء (الإستهلاك المفرط للكحول عند الغربيّين وتحريم الخنزير عند المسلمين ) وبين الثقافة والعلاقات الإنسانية ، بين الغذاء والطقس وبين الثقافة والعمل، وبين العمل وتلوّث الهواء ، وبين العمل والماء.
إذا أضفنا لهذا أنّ الغذاء في علاقته مع الجسم ليس بالضرورة دوما إيجابي أو دوما سلبي وأنّ هناك درجات في الإيجابية والسلبية ، وأنّ هذا ينطبق على كلّ العوامل الأخرى فإنّنا نتصوّر العدد الهائل من الإمكانيات الّتي يمكن أن يواجهها الجسم في تعامله مع المحيط.
لنقرّر أنّه يمكن قياس نوعية عامل معيّن (الغذاء مثلا كالتّالي :

بالنسبة للماء
0 ـ مضرّ للغاية (ملوّث جدّا )
1 ـ مضرّ ملوّث
2 ـ قليل الضرر قليل التلوّث
3 ـ نافع نقي
4 ـ نافع جدّا نقي جدّا

يمكن أن نكتب معادلة أحد الإحتمالات الممكنة
غذاء (1) + عمل (0) + هواء (3) + ماء (4) + ثقافة (0) + علاقات بشرية (1) علاقات غير بشرية (4)
+ ثقافة (1) + سكن (3)
إنّ التّحليل الحسابيّ البسيط يظهر أنّنا يمكن أن نكتب مثل هذه المعادلة 95 مرى أي 1953125 مرّة وهو رقم على الرغم من أنّه مرتفع لا يأخذ بعين الإعتبار أنّنا بسطّناه إلى غاية التبسيط المعادلة عندما اكتفينا بإضافة العوامل إلىبعضها والحال أنّها تتداخل في علاقات معقّدة ومتبادلة ، فلو حاولنا مثلا أن نحسب كلّ الإمكانيات التي يواجهها الجسم بتأثير واحد بين العوامل وحالتي الإيجابية والسلبية (2) لةجب غعلينا أن نكتب 47 ووراءها عشرون صفرا. إنّ هذه الأرقام الضّخمة تعطينا فكرة عن الخاصية الثانية للمحيط ألا وهي أنّه غير قادر للتنبّؤ لكثرة العوامل وتداخلها وتعقيدها، وهذا ما نعلمه بداهة وبصفة طبيعية.
نحن لا نستيقظ في الصباح ونحن عالمون بكل ما سيحدث لهذا ممكن لو كان المحيط غنيا بعامل أو عاملين قارّين أمّا وهو على هذا التّعقيد الناتج عن تعدّد العوامل وترابطها وتأثيرها المـزدوج ، فإنّنا لا نعرف أبدا ÷ل نحن على موعد مع جرثومة الإلتهاب الكبدي أو مع سيّارة مخمور ، أومع قصّة حبّ أو مع حادث شغل الخ ...
هذا لا يعني أنّ المحيط لايتوفّر على قدر معقول من الثّبات والدّوام ، ولكنّه إزاء ذلك فإنّ تغيّره ممكن في كلّ الأوقات وإنّنا عاجزون إلاّ في إطار محدود عن التنبؤ بكلّ ما يخبئه لنا من مفاجآت سارّة وأخرى أقلّ بهجة.
المعادلة إذن في المواجهة بين جسم يحاول المحافظة على توازنه والإنتقال من نقطة توازن إلى أخرى وبين محيط معقّد متغيّر إيجابي سلبي ، مع العلم أنّ النتيجة معلومة مسبّقا، فقدرات الجسم للمحافظة على توازنه محدودة بأمر الموت الكامن في البرنامج ، وهو ما حدا بأحد الظّرفاء إلى القول بأنّ الصحة حالة مؤقتة لا تبشر بخير. يبقى أن الجسم إذا لم يكن هناك عطب كبير في البرنامج قادر على المحافظة طويلا على توازنه باستعمال محكم لخيرات المحيط ويصدّ كلّ هجماته ، وهي موجودة بالضّرورة لا بالصدفة بما أنّه اتفقنا على أنّه من المثالية والسذاجة أن نتصوّر محيطا لا هم له إلاّ إرضاء حاجيات الإنسان .
وهذا ما يجعل القول بأنّ الصحّة حالة كاملة من الرفاهة الخ ... كلام مرفوض لأنّه يعني إمّا تثبيت المتحرّك أو فرض توافق كلّي بين حالة الجسم وحالة المحيط لكي يكون الحاصل دوما إيجابيا وهذا شرط خيالي ، كذلك نفهم لماذا لا يمكن أن نعرّف الصحّة بأنّها خلوّ من الأمراض لأنّه لا يمكن للجسم أن يتفادى الوقوع ضحية تغيّر مفاجيء في المحيط يلحق به أضرارا متفاوتة الخطورة ، ولكن بمكنه أن يطوق مضاعفات هذا الحدث الطارىء وتجاوزه.
مثلا : تظهر دراسة شلل الأطفال هذه الخاصية ، فنحن نلاحظ أنّ 95 % من المتعرّضين للحمّة لا يصابون بأي مرض وكأنّ البرنامج الجيني استطاع لوحده عبر الخلايا الدفاعية المتخصّصة تطويق المهاجم ، وهذه قاعدة تتناساها دوما ألا وهي أنّنا نتعامل يوميا مع الحمّات والجراثيم والطّفيليات ولا نمرض وذلك بفضل ما أسميناه طاقات البرنامج الجيني .
ويتّضح كذلك أنّ المرّ هو الحالة الشاذّة بما أنّ 5 % فقط من المصابين سيتعرّضون إلى ظهور مضاعفات منهم 4 % سيستعيدون توازنهم المفقود. فالمرض إذن حالة عابرة تؤدّي إمّا إلى الصحّة وإمّا إلى الإستقرار في توازن ير مرض لأنّه يقلل من فعالية الجسم في تقصّي أهدافه (الإعاقة الحركية) وتكون الحالة القصوى عجزه عن المحافظة على استقرار أهم مؤشرات ومن ثمّة الموت .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Jasmine collar




مُساهمةموضوع: رد: تحميل كتاب المدخل الى الطب المندمج المنصف المرزوقي   18/1/2012, 07:18

نمـوذج المـرض
شلل الأطفــال (أ)


الإصابة بالحمّـة
حالــة

95 %
الصحّة
حالة التّوازن 0 تصريف الجسم بالحمّة دون ظهور أي عرض مرضي



المرض
توازن 1 ـ
التهاب السّحايا أعراض عامّة

مضاعفات



الإعاقة الحركية
توازن 2 ـ

شلل مستديم


فقدان التوازن نهائيا : بسبب المضاعفات التنفّسية
الوفاة بإصابة البصيلة العصبية


(أ) عن (تتصرّف)
:Abrege de neurologie J. Cambier
Editions Massons Paris 1978




المواقف والتصرّفات

لا مجال لاعتبار الإنسان رجلا آليا تحرّكه أسلاك كهربائية من الدّاخل ويعطّبه خللها، وقد يصاب بالصدإ إن ارتفعت نسبة الأوكسيجين في محيطه، أو تتكسّر قوائمه الميكانيكية إذا وقع في حفرة، فالإنسان إرادة وأهداف وغايات تتأثّر وتتعامل وتستثمر ما أمكن من الطّاقات التي يسمح بها البرنامج الجيني والمحيط، أي أنّه فاعل حتّى وإن كان أيضا مفعولا، مخير وإن كان مسيّرا ، حرّ داخل حدود وأطر، وبالتّالي فإنّ تمتّعه بالصحة سيكون مرتبطا أيضا بمواقفه وبتصرفاته (6).
لنسمّي تصرّفا (أو سلوكا) جملة الإستراتيجيات الّتي يتوخّاها الفرد للتعامل مع المحيط وذلك من أجل تحقيق أهداف معيّنة ، ولنعرّف المواقف بأنّها جملة المشاعر والأحكام التي يقيّم بها هذا المرء نفسه ومحيطه والتي تكون منطلق هذه الإستراتيجيات (3).
وقد أصبحنا نعلم اليوم بفضل الإحصائيات الجماعية والوبائيات ، ارتباط أمراض معيّنة كسرطان الرئة أو البلعوم بتصرّفات معيّنة كالتّدخين وإدمان الكحول .
هذا يعني أنّنا مواجهون بجائحات (أ) تشمل الآلاف من البشر مصدرها تصرّف واع أو لا شعوري، وصعوبات في علاجها ليست تقنية وإنّما سلوكية هي الأخرى وفي المقابل نجد تصرّفات تكون أحسن دعم للمحافظة على الصحة مستغنية بذلك عن ما شاء اللّـه من المستشفيات والأطباء والنفقات والآلام ، فالتّراجع المشاهد حاليا في نسبة الإصابة بالأمراض الشريانية سواء أكانت قلبية أم دماغية في البلدان الغربية راجع حسب كلّ الدّراسات لا إلى الأدوية وإنّما إلى انتشار بعض التصرّفات كممارسة الرياضة والإقلاع عن التّدخين وتغيير الحمية (ب).
أمّا على الصّعيد الفردي فكلّ طبيب أيّا كان اختصاصه يعرف أنّ نصف مرضاه على الأقل لا يعانون من أعراض جسمانية مرتبطة بخلل موضوعي وإنّما بالقلق والخوف فيسارع إلى تصفيفها كأمراض "نفسية" أو "بدنية ـ نفسية " وسنناقش هذا الوصف فيما يلي : إلاّ أنه يعرف خاصّة صعوبة علاج هؤلاء الأشخاص وكأنّ بهم تهيؤ للمرض من جهة وتهيؤ للتعلّق بأهدافه والالتصاق به من جهة أخرى رغم ما يطالبون به من علاج .
لنتعرّض بشيء من التّفصيل لقضية الغفل (ج) وما تثيرها من إشكالية نظرية فهذا مريض يعاني من أعراض ما : نصف له غفلا أي مادة كيماوية لا فعالية لها بتاتا من النّاحية البيولوجية فيشفى ، وهذا مريض آخر يشكو من أعراض ما فنصف له غفلا مماثلا فإذا به يفاجئنا بأعراض قد تكون في منتهى الإزعاج كالدّوران والألم والإرهاق والحال أنّنا متاكّدون بأنّه لا دخل مطلقا لما وصفناه في هذه الإعراض .
والظاهرة معروفة من قديم الزّمان، فقد أجار استعمالها الأطباء التقليديون وهي تنجد في علاج كثير من الإصايات "النفسية" وحتّى الجسمية (في حدود معيّنة من الخطورة طبعا ) وكأنّ تهيّؤ المريض للشّفاء هو العامل الرئيسي الّذي لم يفعل فيه الغقل أيا كان تركيبه الكيماوي إلا تنبيهه .
------------
(أ ) جائحة : وباء Epidémie
(ب) الحمية : Régime Diet
(ج) غفل Placebo ج. أغفال


إلاّ أنّ تجارب Frank تدخل تعديلا هامّا على معلوماتنا في هذا الميدان حيث أثبتت أنّ الطّبيب نفسه يلعب دورا غير الّذي عهدناه فإذا أعطى أطباء لفصيل من المصابين بآلام مبرّحة غفلا ولفصيل آخر مورفينا دون أن يعلموا هم أنفسهم ماذا يعطون فإنّ التجربة ستظهر.
ـ إنّ عددا من المعالجين بالغفل ستتحسّن حالتهم
ـ إنّ هذا العدد سيتضاعف إذا اعتقد الأطباء أنّهم وصفوا لهؤلاء المرضى مورفينا.
معنى هذا أنّ فعالية الغفل مرتبطة أيضا بتهيّؤ الطبيب لشفاء مريضه ، وكأنّ قناعته (رغم أنّه لم يعبّر عنها لجهله بما يصف) عزّزت بصفة لا شعورية تهيّؤ المريض ، وقد أدّى هذا بالبعض إلى التّساؤل إلى أيّ مدى يجب اعتبار أغلب أدويتنا أغفالا ترتبط نجاعنها بتهيّؤ المريض أكثر من ارتباطها بخصائصها الكيماوية ,وإن كان هذا الموقف مبالغ فيه فإنّ المصاب بالسكّري محتاج إلى الأنسولين ولا إلى أيّ دواء آخر فإنّه أي الموقف لا يخلو من وجاهة حيث يجعلنا نحترز من مواقف ساذجة تجاه المريض ، فتهيّؤه للمرض أو للشّفاء عامل لا بدّ من اعتباره وإحلاله مكان الصّدارة في اهتماماتنا إن أردنا لأنفسنا النّجاعة.
فالصحّة أو المرض تكمن في لبّ ما نسمّيه العامل النّفساني والدّرجة الصفر فيه تتمثّل في الإنتحار ، والدّرجة القصوى في التشبث بالحياة أيّا كانت الظّروف ، وبين المرتبتين ما نعرفه عند بعض "المرضى" من استراتيجية حياتية يمكن تسميتها بإرادة المرض، وهي كذلك الإستراتيجية المعاكسة أو إرادة الصحّة المبنية على البحث الدائم عن أقصى درجة ممكنة من الرّفاهة البدنية بالرّياضة والغذاء .





















الوجـه الآخر للتعريف

الصحّة هي الحالة الموضوعية التي تمكّن الفرد داخل محيطه الطبيعي والإجتماعي من التصرّف الفعّال وذلك بالبرنامج الجيني وضد حدوده إن تطلّب الأمر بطاقات المحيط وضدحدوده بالاستراتجيات . وقد تكون خاطئة فيطلب تحويرها ) . إلاّ أنّه من البديهي أنّ التصرّف الفعّال ، أمر نسبيّ في مسبّباته ونتائجه ، فالصحة أهمّ عامل من عوامله حقّا، لكن الذكاء ، أو الحنكة مثلا التي قد توفّرفها التجربة (أي عدد ونوعيات المعلومات) هي أيضا جزء من شبكة سببيّة معقّدة تكون نتيجتها التصرّف الفعّال ؟
ماذا عن النتيجة ؟ .. نحن لا نقول عن إنسان إنّه ليس في صحّة جيّدة إن لم تؤدّ كلّ تصرّفاته إلى تدخلات ناجحة مائة في المائة على المحيط ، الفعالية نسبيّة والمقصود منها البقاء على قيد الحياة أطول فترة ممكنة بأقلّ عجز ممكن ، مع إمكانية تحقيق جزء معقول من الأهداف الحياتية ، من الّذي يحكم على مدى تحقيق الفرد لهذه الأهداف ، مقيّما بصفة ضمنية درجة القدرة في التصرّف ؟ إنّه الآخر طبعا .
مثلا تقييم الأمّ لحالة الطفل (هل بدأ يمشي في الوقت المحدّد وكيف) أو تقييم الطّبيب لزبونه (نبضات القلب ، الضغط الدّموي، ووظيفة التّنفس، في حالة تسمح بممارسة الرياضة) أو تقييم المجموعة للفرد في تعامله (أ) خلافا لـ (ج) لا يعاني من عقدة الإضطهاد ولا يزعج النّاس بمشاكساته الدائمة) لكن هذا التقييم الموضوعي من الخارج قد لا يتماشى ضرورة بل قد يتناقض مع تقييم المرء لقدرة تصرّفه.
المثال الكلاسيكي هنا هو إصرار بعض النّاس على وجود خلل فيهم في حين يصر الطبيب على خلوّهم من كلّ إصابة ، لا بد إذن من أقحام التّقييم الذاتي في تعريفنا ، لا لشيء إلاّ لأنّه عادة منطلق الإستشارة الطبيّة.
لنعد إلى تعريف المنظمة العالمية للصحّة
: هي الحالة من الرفاهة الكاملة الخ ... ؟
لاحظ أنّنا انتقلنا هذه المرّة من تعريف من الخارج إلى تعريف من الداخل.
كيف وعلى أيّ أسس يقيّم الفرد حالته، كصحيّة أم لا ... إنّه شعور الرضى على قدرة ونجاعة تصرّفاته (المشي القدرة الجنسية، الذاكرة الخ ...) وهو شعور لا يستند فقط على إمكانية القيام بكلّ هذه الوظائف ، وإنّما أيضا على "صمت" الأعضاء من يحث لا يتعالى منها أيّ عرض مؤلم كألم عرق النّساء أو مزعج كالدّوران أو الغثيان أو الإسهال الخ... ويتدرّج هذا الشعور نزولا إلى تحت، مرورا بكلّ درجات القلق (مثلا تجاه الآلام الحادّة ثم المزمنة ) وقد تكون مرتبطة بتدهور في القدرات وهي مراحل :
• ينتقل فيها الجسم من الخلل الطارىء إلى النقص أي إلى فقدان وظيفة ما (العمى)
• فإلى القصور أي إلى عجز عن تأدية وظيفة ما .
• فإلى الإعاقة ، وهي الهجز المستديم عن تأدية عدّة وظائف يستطيع القيام بها شخص مماثل من نفس العمر والجنس والمستوى الثقافي والإجتماعي .
• فإلى استحالة العيش.
لنركّز من جديد على أنّ توافق التّقييمين ليس ضروريا، وهذه صعوبة من أهمّ صعوبات المهنة ، فقد يخطىء المريض في تقييم فعاليته، وقد نخطىء نحن أيضا في هذا التّقييم .
المهم هنا في سياق الحديث أن ننتبه إلى أنّ الفعالية كالمرض ليس معطى يمكن أن نتعامل معه بلا أو نعم، فهناك تدرّج في الفعالية وكذلك في الرّضى ، والمطالبة بأن يكون الرّضى مائة في المائة ، والفعالية كذلك للحكم على النّاس بأنّهم أسوياء يعني الوقوع في الخطإ.
فالمتخلّف الذهني مثلا يعتبر متمتّعا بالصحة رغم أن فعاليته في التعامل مع المحيط ناقصة وذلك طالما لم يشتك من أيّ أعراض أخرى لأن حالته الموضوعية ثابتة وتقييمه الذّاتي لها قد يكون أيجابيا وبالمقابل سنضطر إلى إعتبار المصاب بإرتفاع الضغط مريضا رغم ما يبدو من نشاطه ورضاه عن حالته . كلّ هذه الحالات الإستثنائية تجبرنا إذن على ملازمة الحذر فكل ّ تعريف يريد نفسه شاملا وكاملا معرّض لمواجهة العديد من الإستثناءات الّتي تشكّل تكذيبا له.


































التّقييم الخارجي "الموضوعي " التّقييم الدّاخلي ـ الذّاتي


نجاعـة كاملة رضى تامّ


مختلف درجات النّجاعة في
الأجهزة والوظائف مختلف درحات الرّضى
عن حالة الأجهزة والوظائف


خلل طارىء ـ استرجاع توازن رضى نسبي



نقـص قلق نسبي
قصور
إعاقة


مختلف درجات اللاّنجاعة مختلف درحات القلق
في الأجهزة والوظائف عن حالة الأجهزة والوظائف



استحالة الحياة موضوعيا (موت) رفض الحياة (انتحار)




لنحاول الآن بدورنا المجازفة بتعريف لا يطمح لتجاوز تعقيد الإشكالية ، بقدر ما يطمح إلى التوعية بها.
الصحة هي قدرة الجسم على استغلال ايجابيات المحيط وتطويق سلبياته بفضل برنامج جيني سليم واستراتيجيات فرديّة ملائمة وذلك لتحقيق جزء أو كل من الأهداف الحياتية و/وأو حالة الرضى عن درجة فعالية هذا الجسم .
امّا المرض فهو عجز مؤقت أو نهائي للجسم عن تحقيق كلّ أو جزء من أهدافه الحياتية ، لخلل في البرنامج الجيني و/أو الاستراتيجيات الفرديّة و/أو لضغط كبير في المحيط و/أو حالة من القلق تجاه فعالية هذا الجسم .
نحاول الآن في الفصول الثّلاثة المقبلة التعرّض بشيء من الإسهاب إلى العوامل التأسيسية الثّلاث للصحّة.

المـراجــع


IVAN 1–ILLICH
Nemsis medical - Seuil Paris 1975

COCHRANE : 2
L’inflation médicale Gallilée 1980

R. LAING : 3
La politique de l’expérience stook 1973

R. HAYFLIK : 4
Biologie du vieillissement cellulaire

O.I AHMED, G.V. Coelho 5
Toward a new definition of health
Plenum Press – New-York and London 1979

G.E. ALAN DEVER : 6
Community health analysis a holistic approch A Spen – London 1980

G. ANDERSON : 7
Community health. CV. Mosby comagny . ST Louis –
Toronto-London 1982

J. DUFRESNE, F. DUMONT, Y MARTIN : 8
Traité d’anthropologie médicale
Presse de l’université de Quebec 1985
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
daradkeh




مُساهمةموضوع: رد: تحميل كتاب المدخل الى الطب المندمج المنصف المرزوقي   15/6/2012, 20:12

thank
sssssssssssss
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تحميل كتاب المدخل الى الطب المندمج المنصف المرزوقي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اربد :: المنتدى العلمي :: ادب و شعر :: مكتبة اربد-
انتقل الى: