اربد

منتدى معلومات عامة
 
صفحة الاعلاناتالرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر

pubacademy.ace.st--!>
pubacademy.ace.st--!>

شاطر | 
 

 نشأة شعر الوقوف على الأطلال في الجاهلية والأسباب الطبيعية والاجتماعية والنفسية..!؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
إيمان




مُساهمةموضوع: نشأة شعر الوقوف على الأطلال في الجاهلية والأسباب الطبيعية والاجتماعية والنفسية..!؟    31/10/2011, 19:11

إن الحب عاطفة كبيرة من عواطف النفس الإنسانية. ولعله أقوى هذه

العواطف إطلاقاً. وقد شعر بها الناس في جميع الأزمان شعوراً قوياً، ولا

يضاهيها في ذلك عاطفة من العواطف الأخرى. ويستغرق الحب من

فنون الأدب العالمي، قديمه وحديثه، شيئاً كثيراً، ويشغل فيه حيزاً كبيراً.


والمرأة المحبوبة أو الإنسان المحبوب يصبح كائناً ممتازاً، ويكتسب قيمة

جديدة ليست للإنسان المادي، يسبغها عليه صاحب الحب في شيء كثير

من الخيال. والأشياء التي تكون لها علاقة بهذا الإنسان المحبوب تكتسب

هي أيضاً هذا الامتياز، وهذه القيمة الجديدة، بالقياس إلى الأشياء

الأخرى. وتغدو بذلك ذات قدرة على إثارة الإحساسات والمشاعر التي

يثيرهاالإنسان المحبوب نفسه، وعلى إثارة إحساسات ومشاعر خاصة

أخرى.

وهذه الأشياء التي لها علاقة بالإنسان المحبوب تتمثل في بعض أدوات

خاصة، ذات قوة على الرمز والإيحاء، مثال: الثياب والمناديل والهدايا

المختلفة وغيرها. وتتمثل أيضاً في بعض حوادث معينة رافقت أطواراً في

حياة الإنسان المحبوب، وتتمثل كذلك في أماكن خاصة شهدت جانباً من

هذه الحياة، وصارت كلها ذات قدرة على إيقاظ الذكرى.

وفي كل هذه الحالات يكون الإنسان المحبوب هو مبعث الإحساسات

والمشاعر. وليست هذه الأشياء سوى وسائل للرمز إليه.

والدار التي قضى المحبوب شطراً من حياته في جنباتها من أبرز هذه الأشياء

وأقواها على إثارة الحنين والذكريات. قال نُصَيِّب الأسود الشاعر

أما والذي حَجَّ الْمُلَبُّونَ بيتَهُ****وعَلَّمَ أيامَ الذبائحِ والنَّحْرِ



لقد زادني للغَمْرِ حُبّاً وأهلِهِ***ليالٍ أقامَتْهُنَّ ليلَى على الْغَمْرِ



وهل بأثَمنِّي الله في أن ذكرتها***وعَلَّلتُ أصحابي بها ليلةَ النَّفْرِ



وسكَّنت ما بي من كلال ومن كرى***وما بالمطايا من جُنوحٍ ولا فَتْرِ





ويبدو لي أن هذا الحنين الذي يشعر به الإنسان في دار الحبيب، بعد أن

خلت هذه الدار من الحبيب، هو الأصل وهو السر العميق في نشأة شعر

الوقوف على الأطلال، والبكاء عليها، في الشعر العربي القديم، لأن هذا

الشعر مرتبط بشعر الغزل، ومتصل به في الأدب العربي، وقلما نجده قائماً

بذاته وحده. فهو يأتي قبل الغزل في أغلب الأحيان، ويأتي في ثنايا أبيات

الغزل في بعض الأحيان، ويكون متصلاً به على كل حال.

ولكن هذا الحنين الدفين في أعماق القلب، الذي هو الأساس الأول في

نشأة شعر الوقوف على الأطلال، ليس شرطاً كافياً. وإنما كانت هناك

شروط أخرى، تتمثل في حياة قبائل العرب الاجتماعية التي كانت هذه

القبائل تحياها في بوادي جزيرة العرب إبّان الجاهلية.

وينبغي لنا، تبعاً لذلك، أن ننظر نظرة فاحصة في طبيعة هذه الحياة

الاجتماعية، محاولين استجلاءَ مظاهرها، وتَبَيُّنَ وقائعها، والكشف عن

تأثيرها في نفوس الناس، وتوجيه عواطفهم ومشاعرهم النفسية. ونرى بعد

ذلك كيف أدَّت هذه المظاهر والوقائع الاجتماعية، والعواطف والمشاعر

النفسية إلى نشأة شعر الوقوف على الأطلال، وبناءِ معانيه وتشكيلِ

أجزائها، وخلقِ صوره وتلوين عناصرها، وتكوين لغته وتركيب مبانيها.

وقبل المضيِّ في ذلك نرى أن نورد نصوصاً معدودة من هذا الشعر، لعدد

من مشاهير شعراء الجاهلية، نستعرض فيها طرفاً من هذه المعاني والصور

الشعرية التي تداولوها، وردَّدوها في أشعارهم التي قالوها في الوقوف على

الديار والأطلال.




قال امرؤ القيس بن حُجْر الْكِنْدِيُّ:

قِفَا نبكِ من ذكرى حبيب ومنْزلِ***بِسِقْط اللِّوَى بين الدَّخول فحَوْمَلِ


فتُوضِحَ فالْمِقْراةِ لم يَعْفُ رسْمُها***لِمَا نسجتْها من جَنوب وشَمْألِ



كأني غداةَ البين يومَ تحمَّلوا***لدى سمُرات الحيّ ناقفُ حنظلِ



وُقوفاً بها صحبي عليّ مَطِيَّهم***يقولون: لا تَهْلِكْ أسىً وتجمَّلِ



وإن شفائي عَبْرة مُهْرَاقة***فهل عند رسْم دارس من مُعَوَّلِ



ففاضت دموعُ العين مني صَبَابَةً***على النحر حتى بَلَّ دمعيَ مِحْمَلي





يقف امرؤ القيس للذكرى، ويستوقف لها صاحبيه. وهي ذكرى حبيب عند منزل لهذا الحبيب. وقد تحمَّلَ أهل هذا المنْزل وبانوا عنه، فأحزن هذا الْبَيْن امرأ القيس، وأبكته الذكرى بكاء طويلاً غزيراً، حتى بلّ دمعه مِحْمله كما يزعم.

وقال النابغة الذبياني:


يا دارَ مَيَّةَ بالعَلْياء فالسَّنَدِ***أقْوتْ وطال عليها سالفُ الأبدِ

وقفتُ فيها أُصَيْلاناً أسائلها***عَيَّتْ جواباً، وما بالربع من أحدِ



أمستْ خَلاءً وأمسى أهلُها احتملوا***أخْنى عليها الذي أخنى على لُبَدِ





وهنا النابغة يرى دار ميّةَ وقد خلت من ساكنيها وعدت عليها عوادي الزمن. فيناديها في لهفة وحنين. ويقف فيها عند الأصيل، ويسائلها متوجعاً على الأيام التي قضاها فيها مع ميّة في سعادة وسرور. والدار صامتة لا تجيب نداءه. فهي خالية، احتمل منها أهلها وبانوا. وقد أخنى عليها الزمن الذي أخنى على لبدٍ نَسْرِ لقمانَ الحكيم.
وقال عنترةُ بن شدّاد الْعَبْسيُّ:

يا دارَ عَبْلَةَ بالْجِواء تكلّمِي***وعِمّي صباحاً، دارَ عبلةَ، واسْلمي


دارٌ لآنسةٍ غضيضٍ طَرْفُها***طَوْعِ العناقِ، لذيذةِ الْمُتَبَسَّمِ



فوقفتُ فيها ناقتي وكأنها***فَدَنٌ لأقضيَ حاجةَ الْمُتَلَوِّمِ



حُيِّيتَ من طَلَلٍ تقادم عهدُه***أقْوى وأقفر بعد أمّ الهيثمِ





وعنترةُ يرى دار عبلة، فيطلب منها أن تكلمه كلام الأيام الماضية فيها. ثم يحييها بتحية الصباح في كل الحب والحنان، ويدعو لها بالسلامة من البلى. ويقف فيها ناقته ليقضي حاجته من النظر إليها، ويروي شوق قلبه من رؤيتها، ثم يعود إلى الدعاء لأطلالها بالحياة والبقاء إذ أقفرت بعد رحيل أم الهيثم عنها بعيداً.

هذه النصوص الخمسة ونصوص أخرى كثيرة أمثالُها من الشعر الجاهلي، تعدّ بالمئات في دواوين شعراء الجاهلية، نرى فيها هذه المعاني الحزينة والصور الكئيبة، تتردد بأشكال وأساليبَ مختلفة؟ وهي على اختلافها تعبر دائماً عن نبض قلوب هؤلاء الشعراء بالأشجان والأحزان، وتصف بكاءهم وفيضَ دموعهم عند الوقوف في الديار، ورؤيةِ أطلالها الدارسة، وذكرى أهلها الذين تحمّلوا منها وبانوا.
فما شأنُ هذه المنازل والديار؟ ومَنْ هذا الحبيب الذي بكى امرؤ القيس


من ذكراه، وذرفتْ عيناه الدموعَ لأجله مدراراً، ومَنْ هم أهلُ هذه

الديار الذين يتحملون منها، ويَبِينون تاركين فيها أطلالاً تشهد على

الحياة الماضية فيها؟ ولِمَ كان هذا البينُ الأليم الذي يَفْجَع قلوبَ

الشعراء، ويبكي عيونهم؟ ما السببُ في كل ذلك. ما السرُّ الكامن وراء

شعر الوقوف على الأطلال في الشعر العربي القديم؟

هذه الأسئلة الحائرة نجد لها جواباً شافياً وبياناً كافياً في معرفة طبيعة الحياة

الاجتماعية لقبائل العرب في بيئة البادية إبّانَ الجاهلية في جزيرة العرب.



لقد طبعت بيئة البادية حياة قبائل العرب الاجتماعية في الجاهلية بطابَع

خاص، بدا أثره في جميع أنماط هذه الحياة. وتقوم حياة البادية وواقعُها

اليومي على ظاهرة الرَّعْي، أي تربية الأنعام من الإبل وغيرها ورعيها في

الوديان والرياض المخصبة التي تنبت الْكَلأ إبّانَ مواسم المطر في بوادي

جزيرة العرب. فكان الأعراب من أصحاب الأنعام يرتحلون بأموالهم

وأهليهم، ويتبعون مواقع الغيث، ومنابت الكلأ في أرجاء البادية. وهذه

الرحلة الدائمة تسمَّى (النُّجْعَةَ) عندهم. ثم ينتقلون بها جميعاً من مكان إلى

مكان طلباً للماء والكلأ، حتى يعودوا إلى مَحاضرهم، وهي منازلهم

الأولى الأصلية في الصيف، ويقيمون فيها على مياههم الدائمة من الآبار وغيرها، إلى سقوط الغيث في الخريف، ثم يرتحلون كَرّة أخرى في سبيل البحث عن الماء والكلأ في أنحاء البادية. وهكذا دواليكَ يحيون متنقلين من منْزل إلى منْزِل في رحلة دائمة، لا استقرارَ فيها ولا ثباتَ في مَنْزِل واحد لا يتغير على الأيام.
جاء في معجم "لسان العرب" (نجع): «النجعة عند العرب المذهبُ في طلب الكلأ في موضعه. والباديه تَحْضَر محاضرَها عند هَيْج العشب ونقص الْخُرَف وفَنَاء ماء السماء في الغدران. فلا يزالون حاضرةً يشربون الماء الْعِد)حتى

يقع ربيع بالأرض خَرَفياً كان أو شَتِيّاً. فإذا وقع الربيع توزَّعتهم النُّجَع، وتتبعوا مساقط الغيث، يرعون الكلأ والعشب، إذا أعشبت البلاد، ويشربون الْكَرَع، وهو ماء السماء. فلا يزالون في النُّجَع إلى أن يَهِيج العشب من عامِ قابلٍ، وتَنِشَّ الغُدْران. فيرجعون إلى محاضرهم على أعداد المياه».
ومن حياة التبدّي والنجعة، في الخريف والشتاء والربيع، والارتحال في البادية من منْزل إلى مَنْزل طلباً للماء والمرعى، ثم الرجوع إلى المحاضر قرب المياه والآبار الدائمة الماء عند إقبال شهور الصيف، نشأ شهر الوقوف على الأطلال في الشعر العربي إبَّانَ الجاهلية. ونفسّر ذلك فيما يلي في تفصيل وفضلٍ بيان.



لقد قَسَمَتْ هذه الرحلة الدائمة في أرجاء البادية أيام السنة في حياة القبائل في جزيرة العرب إلى موسمين اثنين، يتعاقبان دورياً، كلَّ سنة، في مظهر اجتماعي طريف، لا نلقى له مثيلاً في بيئة أخرى غير بيئة البادية، وبعض الأقاليم الجبلية الفقيرة. هذان الموسمان هما:

1 -موسم التبدِّي، أي الخروجُ إلى البادية بالأهل والأنعام جميعاً في فصول هطول المطر. وقد عُرِفت عندهم في القديم (بالنجعة) والانتجاع كما علمنا، أي طلب المرعى. وعُرفت كذلك بالتربُّع والارتباع، أي طلب الربيع، وهو العشب الأخضر.
2 -وموسم الْحَضَر، أي الرجوعُ من (النجعة) في البادية بعد انقضاء أيام الربيع وانقطاع المطر، والحضورُ إلى المواطن والمنازل الأصلية حول أعداد المياه والآبار التي لا ينضَب ماؤها في شهور الصيف، حين ينحبس المطر، وتنشف الغدران، وتجفّ الأعشاب. فتبدو البادية مقفرة خالية من كل أثر للحياة، فلا طائرَ يطير، ولا إنسانَ يسير، ولا نباتَ يهتز على مدى البصر خلال مسافات شاسعة.

ويحدث في كثير من الأحيان أيامَ النجعة أن تجتمع عدة أحياء وبطون من قبيلة واحدة أو من قبائل شتى في مَنْزل واحد. ويكون هذا الاجتماع سبباً في تجاورهم وتآلفهم. فتنشأ بين هؤلاء المجتمعين المتجاورين في الْمَنْزل، مع مرور الأيام، صِلاتُ مودة ومحبة، ولا سيما الفتيان والفتيات منهم الذين يتعارفون ويتلاقون، وتنبِض قلوبهم الفتية بأولى رعشات الحب والهوى. وتبدأ حكاية (ابنة الجيران) الجميلةِ تغزل خيوطها الملونة بألوان الزرع الأخضر وألوان الشفق الأحمر، وتغني لأنوار الصباح وألوان المساء، وتغني لرياح الليل أحلى الأغاني، مضمَّخة بأبهى الأحلام والأماني.
وقد أطلق العرب على هؤلاء الناس المجتمعين النازلين معاً في مَنْزل واحد، وهم من أحياء وبطون شتى، كلمة خاصة توحي بهذه الصلات الحميمة، وتنبئ بالعلاقات الاجتماعية الجميلة من الألفة والتعارف وحسن الجوار. هذه الكلمة هي كلمة (الخلِيط) التي تعني الصديقَ المخالط، أو الجارَ أو الجيرانَ المجتمعين في مَنْزِل واحِد، يحيون متعارفين متآلفين حياة واحدة، ويتعاونون على الْبِرّ والإحسان في السرّاء والضرّاء. وهي مأخوذة من (الْخِلْطة) بمعنى الْعِشْرة والصداقه.


ويعيش هؤلاء الخليط، ولا سيما الفتيان والفتيات المتحابون منهم، في سكينة وسعادة وسرور، رَدْحاً من الزمن، ولا يشعرون بمرور الأيام، حتى يأتي يوم من الدهر غيرُ مرتقب، تنضَب فيه المياه، وتجفّ الأعشاب في الْمَنْزِل السعيد. فيضطر الخليط إلى الرحيل وترك الديار، حسب العادة المعهودة حين الرجوع من النجعة إلى المحاضر. فيتفرق شمل الجيران، وتنقضي أيام السعادة والسرور. ويفترق الأحباب على نظرات الأسى والوداع، والألم يعتصر القلوب، والعيون تذرف الدموع. ويمضي كل حيّ وفريق في سبيل، ويذهب لوجهته إلى لقاء قريب أو بعيد، أو إلى لقاء غير مأمول. فكان هذا الموقف العصيب في يوم الرحيل والفراق، وهو يوم الْبَيْن في عرفهم، يؤلم قلوبهم، ويسوءهم كثيراً.

ويوم الْبَيْن هو الفاجعة الدائمة التي تقع دورياً في كل سنة كما عرفنا في حياة الأعراب إبّان الجاهلية، لتعاقب موسم النجعة وموسم الحضر في أيامهم. وقد أثّرت هذه الفاجعة تأثيراً عميقاً في نفوسهم، إذ كان يوم البين منبعاً لا ينضَب لحزنهم. فتجمَّع هذا الحزن في أعماق نفوسهم، وتراكم فيها على مدى السنين، حتى تفجَّر من الأعماق، وسال على ألسنة شعرائهم أشعاراً تعبّر عن الحزن الدفين في الأعماق، وتندُب أيام الهناء والسعادة، وتبكي لضياعها وذكراها

يذكر زهير الشاعر رحيل الخليط وتفرقَ الجيران واشتياقه إليهم أيةَ جهةٍ، سلكوها في البعاد. ونراه يستعمل فعل (بانَ) وكلمة (الخليط) وفعل (تركوا) وكلمة (الاشتياق). وكلها رموز إلى صلات اجتماعية ومشاعرَ نفسية في حياة الأعراب إبان الجاهلية. وهي ترتبط جميعاً بهذه الساعة الحرجة في حياتهم، ساعةِ تفرق الخليط، أي تفرق الأحباب وترك ديار السعادة والسرور.


وقال بَشَامة بن الغَدير في مطلع قصيدة له:

إنّ الخليطَ أجدُّوا البينَ فابتكروا***لِنيَّة، ثم ما عادوا ولا انتظروا





ونجد في هذا البيت كلمة الخليط وكلمة البين، وصورة الرحيل والفراق كما في قول زهير بن أبي سلمى سَواء. وشعور الشاعر النفسي هنا هو الشعور عينه في بيت زهير، بصورة شعرية أخرى.
وقال الحسين بن مُطَيْر، وهو شاعر إسلامي

إنّ الخليطَ أجَدُّوا البينَ فادَّلجوا***بانوا ولم يَنْظُروني، إنهمْ لَجِجوا





وقال نَهْشل بن حَرِّيّ، وهو شاعر مخضرم:

إن الخليطَ أجَدُّوا البينَ فابتكروا***واهتاجَ شوقَك أحْواجٌ لها زُمَرُ







وكان الأعراب في رحلاتهم وأسفارهم كثيراً ما يمرون بهذه المنازل التي كانوا نزلوا فيها، ثم رحلوا عنها وخلّفوها. فيجدونها خالية ساكنة، تضرب في جنباتها الرياح، وتَسْفي عليها الرمال، فتدفن رسومها البالية، وتمحو أطلالها الباقية. ويقفون قليلاً لينظروا إلى الآثار التي تركوها فيها، وقد عدا عليها الخراب. فيحيّونها ويدعون لها بالسلامة من البِلى. ويذكرون أياماً ماضية أصابوا فيها سعادة وسروراً، ونعِموا فيها بالحب والمودة. ثم يسيرون لشؤونهم، وقد حَزَّ الألم في نفوسهم، وفاض الدمع من عيونهم، لذكرى هذه الأيام الحبيبة إلى قلوبهم، وضياع السعادة والسرور من أيديهم. قال امرؤ القيس في مطلع قصيدته المطولة:

قِفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنْزِلِ***بسِقْط اللوى بين الدَّخول فَحَوْمَلِ





وقال زهير بن أبي سلمى في قصيدته المطولة:

وقفتُ بها من بعد عشرين حِجَّةً***فلأياً عرفتُ الدار بعد توهُّمِ





وقال النابغة الذبياني في قصيدة له:

وقفتُ فيها أُصَيْلاناً أسائلها***عَيَّتْ جواباً، وما بالرَّبع من أحدِ





وقال عنترة بن شداد في قصيدته المطوله:

فوقَفْتُ فيها ناقتي وكأنها***فَدَنٌ، لأقضيَ حاجةَ المتلوِّمِ



وينتهي بنا الكلام أخيراً إلى القول بأن المرء حين ينظر في دواوين شعراء عصر الجاهلية وشعراء عصر الإسلام لَيَعْجب من إكثار هؤلاء الشعراء جميعاً من شعر الوقوف على الأطلال والديار. ويعجب كذلك من إلحاحهم وتماديهم في ترداد هذه المعاني التي رأيناها في أشعارهم في هذا الغرض. ويقف المرء متسائلاً في حيرة: لِمَ كلُّ هذا الإكثار من هذا الشعر؟ ولِمَ كلُّ هذا الإلحاح على هذه المعاني وهذه الصور؟ ولا يلقى جواباً شافياً لتساؤله، ولا يدرك السبب في ذلك للوهلة الأولى. فإذا أنعم النظر، وتحرَّى الأمر، وأطال البحث فيه، كما فعلنا، وبيّنتْ له أسبابه ودواعيه، زال التساؤل، وانقضى العجب والحيرة.

ولقد عرفنا الآن السر البعيد الخفيّ وراء كل ذلك، وشرحناه وبيّنا تفاصيله مشفوعة بالشواهد التي استقيناها من أشعار الشعراء أنفسهم، وبالدلائل التي أوردناها من أقوال بعض العلماء في القديم. وأدركنا بعد البحث والتحري أن هذا السر الخفي كامن في طبيعة حياة الأعراب في بيئة البادية إبّانَ الجاهلية. ويمكن لنا أن نقول الآن جازمين واثقين بأن شعر الوقوف على الديار والأطلال، وصور الفراق ومواقف الوداع، ومواكب الرحيل ومتابعة الظعائن الراحلة، وأن شعر الغزل عامة وما إلى ذلك من المعاني العاطفية الصادرة من الوَجْدان، نابعةٌ كلُّها في الأصل من صميم هذه الحياة التي قضت عليها طبيعة البيئة برحلة دورية دائمة في أرجاء البادية على مدى الأيام والسنين، وتعاقب الأنواء والمواسم كلَّ عام. وهي رحلة الانتجاع في سبيل العيش. وكان ما كان بعد ذلك بسبب هذه الرحلة وبتأثيرها من اجتماع (الخليط) على السعادة والهناء في موسم النجعة، ثم تفرقه حين انقضاء الموسم، وما ينشأ عنه من شقاء وعذاب وأحزان عبّر عنها الشعراء في مطالع قصائدهم، كما رأينا في الشواهد التي أوردناها من أشعارهم.
وهذه الشواهد كثيرة كما ذكرنا آنفاً، ولا نكاد نحصيها إذا رحنا نستعرضها ونستقصيها في قصائد شعراء الجاهلية وغيرهم من شعراء العصور التالية. وهي تطول أحياناً حتى تجاوز عشرة الأبيات في قصيدة، وتقصر أحياناً أخرى فلا تزيد عن بيتين اثنين في قصيدة أخرى، وذلك حسب قرائح الشعراء، وحسب مواقفهم الخاصة وأثرها في نفوسهم عند قول القصيدة. ونرى هذه الشواهد ممزوجة دائماً بالحزن والألم، مبللة بالدموع، وملفوفة بغلائل كثيفة أو رقيقة من عواطف الشعراء ومشاعرهم النفسية في ساعة الفراق والرحيل، أو في ساعة الذكرى حين الوقوف في الديار ورؤية رسومها وأطلالها. وهي تؤلف بمجموعها نشيداً طويلاًَ حزيناً، لا ينتهي رنينه، ولا ينقضي أنينه، مثلَ حنين رياح الليل بين كثبان الرمال، وشِعاب الوديان في أرجاء الصحارى والفلوات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
KLIM




مُساهمةموضوع: رد: نشأة شعر الوقوف على الأطلال في الجاهلية والأسباب الطبيعية والاجتماعية والنفسية..!؟    1/11/2011, 00:16

شعراء المعلقات و بس شعرهم كان جزل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
jistcoirbid




مُساهمةموضوع: رد: نشأة شعر الوقوف على الأطلال في الجاهلية والأسباب الطبيعية والاجتماعية والنفسية..!؟    1/11/2011, 00:25

شعر الاطلال ابداع متقن لما سبقه من حنين ووجدان وتعبير وعدم البوح به ماقبل الرحيل ,وهنا يكمن الابداع في محاكات النفس واظهار ما اخفاه الواقع ما قبل الرحيل .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
KLIM




مُساهمةموضوع: رد: نشأة شعر الوقوف على الأطلال في الجاهلية والأسباب الطبيعية والاجتماعية والنفسية..!؟    1/11/2011, 00:27

بحس لما بقرا شعر المعلقات بدي ساعة لاتعمق بالكلمات مرة و مرتين و 10 لاقراها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
jistcoirbid




مُساهمةموضوع: رد: نشأة شعر الوقوف على الأطلال في الجاهلية والأسباب الطبيعية والاجتماعية والنفسية..!؟    1/11/2011, 00:31

اكيد كلام عندما تقرأي اولى الابيات تكتشفي معان جديدة لتعودي من جديد القرأة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
KLIM




مُساهمةموضوع: رد: نشأة شعر الوقوف على الأطلال في الجاهلية والأسباب الطبيعية والاجتماعية والنفسية..!؟    1/11/2011, 00:35

اول شي لمحة سريعة و بعد القراءة الفهم اكثر و استنباط الصور و المعني لكل بيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
jistcoirbid




مُساهمةموضوع: رد: نشأة شعر الوقوف على الأطلال في الجاهلية والأسباب الطبيعية والاجتماعية والنفسية..!؟    1/11/2011, 01:19

يقول الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني:
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد
قالت : ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا مع نصفه فقد
فحسبوه فألفوه كما ذكرت تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
فكملت مائة فيها حمامتها وأسرعت حسبة في ذلك العدد
فتتكون لدينا معادلة جبرية:
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
نشأة شعر الوقوف على الأطلال في الجاهلية والأسباب الطبيعية والاجتماعية والنفسية..!؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اربد :: المنتدى العلمي :: ادب و شعر :: قسم الشعر و الخواطر-
انتقل الى: